القائمة الرئيسية

الصفحات

مقالة ملخصة هل الحرية تناقض بالضرورة الحتميــة ..؟



الحرية و الحتمــــية 






 السؤال المقترح .. هل الحرية تناقض بالضرورة الحتميــة ..؟


طرح الإشكال .. 

خضوع الكون إلى قوانين طبيعية صارمة اثار مشكلة فلسفية يدور موضوعها حول العلاقة بين الحرية و الحتمية .. الحرية هي تجاوز كل إكراه و الحتمية تشير إلى أن نفس الأسباب تعطي حتما و دائما نفس النتائج . إذا كان مفهوم الحرية و الحتمية لا يطرح لدى الفلاسفة إي إشكال فإن طبيعة العلاقة بين المفهومين شكلت موضوع فلسفي مثير للجدل .. خضوع الإنسان للحتميات يعني عند البعض أنه مسلوب الحرية و بلا اختيار غير أن وجود الحتمية عند البعض الأخر هو في ذاته شرط للتحرر فإذا كان الإنسان يعيش في وسط حتميات فهل ذلك يحد من حريته ؟ ألا يمكن للإنسان أن يتجاوز تلك الحتميات و التحرر منها ؟

يرى الحتميون أن الحرية و الحتمية متناقضتان بمعنى أن وجود الحتمية يحد من حرية الإنسان و معنى ذلك أن السلوك الإنساني يسير في دائرة الحتمية فهو يفتقد إلى عنصر الإرادة و قدرة الاختيار و السبب في ذلك أن وجود الحتمية يلغي بالضرورة وجود الحرية فأنصار الحتمية وعلى رأسهم واطسون و غيره ، يرون أن مبدأ الحتمية قانون عام يحكم العالم ولا يقتصر على الظاهرة الطبيعية فقط بل أيضا على الإرادة الإنسانية ولذلك تكون إرادتنا تابعة لنظام الكون. أما الحتميات التي يخضع لها الانسان فهي متعددة منها الحتمية الطبيعية أو الفيزيائية ، حيث أن الانسان يسري عليه من القوانين ما يسري على بقية الأجسام والموجودات فهو يخضع لقانون الجاذبية مثلا و هناك الحتمية البيولوجية وتتمثل في كون الانسان يخضع لشبكة من القوانين مثل النمو وانتظام الأعضاء واختلالها وكذا كل إنسان على وجه الأرض يمر بنفس المراحل التي يمر بها باقي الناس و المتمثلة في الجنين، الطفولة ؛الشباب ؛الكهولة؛ الشيخوخة؛ ثم الموت و الانسان لا يمكنه أن يتجاوز مرحلة من هذه المراحل فهو مقيد و مجبر بأن يمر على كامل المراحل دون استثناء لذلك يقال إن الإنسان لا يختار الشخصية التي يرغب فيها . وهناك أيضا الحتمية الاجتماعية التي يمثلها علماء الاجتماع و أهمهم دو ركايم الذي يقول: « حينما يتكلم ضميرنا فان المجتمع هو الذي يتكلم فينا » و معنى ذلك أننا نحب ما يحبه المجتمع و نكره ما يكره المجتمع . وأيضا هناك الحتمية النفسية إذ يخضع المرء حسب فرويد لعالم نفسي لا شعوري من رغبات وشهوات ومكبوتات؛ مثال ذلك أن العنف في الملاعب يرجع الى غريزة العدوان التي تدفع الفرد الى التحطيم و التكسير .

أما الرافضون للحرية عند المسلمين فمثلتهم فرقة الجهمية نسبة الى جهم بن صفوان و التي ترى أن كل أفعال الانسان خاضعة للقضاء والقدر لا إرادة له ولا اختيار ، وإنما يخلق الله فيه الأفعال على حسب ما يخلق في سائر الجمادات فالإنسان كالريشة في مهب الريح . و يستدلون على ذلك من القرآن :( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)

النقد: القول بالحتمية لا يعني تكبيل الانسان ورفع مسؤولياته حيث لم يفرق الحتميون بين عالم الأشياء الآلي وعالم الانسان الذي كله وعي وعقل . كما أن وجود قوانين في الطبيعة لا يعني ذلك أن الانسان غير قادر على تجاوز الحتميات بل قد ثبت في حالات كثيرة أن الإنسان استطاع تجاوز الكثير من القوانين الطبيعية و سخرها لصالحه .

أنصار التحرر ..


في المقابل يرى فريق آخر من الفلاسفة أن وجود الحتمية لا يتعارض و لا يتناقض مع الحرية بل و ذهبوا إلى أن الحتمية هي ذاتها شرط للتحرر و ليس مناقضة لها . و يتبنى هذه الأطروحة بشكل خاص أنصار التحرر من أمثال كارل ماركس و فريديريك أنجلس و غيرهما .. و في هذا السياق يقول .. أنجلس : الحرية هي وعي بالضرورة و عمل للتحرر .. و من هنا تتحدد العلاقة بين الضرورة و هي الحتمية و بين الحرية . حيث يسلم هذا الاتجاه بوجود الحتميات و يؤمن بضرورة معرفتها و وعيها ثم العمل من أجل تجاوزها و التعامل معها و الاستفادة منها و تسخيرها لخدمة الإنسان . و في السياق ذاته يقول ماركس .. الحرية هي وعي الضرورية ..

لقد استطاعت البيولوجيا أن تتجاوز الكثير من الصعوبات في عالم الطب و تمكنت من التحكم في أخطر الأمراض فتكا بالإنسان من خلال فهم القوانين الناظمة لانتشار الأمراض و الفيروسات الناقلة لها و تمكنت من اختراع اللقاحات المضادة لتلك الفيروسات كما هو الحال بالنسبة للقاحات المضادة لكوفيد 19 اليوم و كل ذلك بفعل الوعي و المعرفة الخاصة بعالم الفيروسات و تجاوز الكثير من الأمراض و التحكم فيها يعني التحرر منها و هكذا فإن الحرية هي فهم الحتمية ثم التحرر منها .

و كذلك بالنسبة للحتمية الطبيعية حيث أدرك الإنسان قوانين الطيران و استطاع التحرر من طغيان الجاذبية و سخر قوانين الطبيعة لخدمته و هكذا عمل الإنسان من خلال وعي الضرورة على تغيير الطبيعة دون تغيير قوانينها . و الأمر كذلك نجده عند التعامل مع قوانين المجتمع فكم من المصلحين و الأنبياء أدركوا السنن المتحكمة في تطور المجتمعات و ساهموا في إرساء قواعد جديدة تتحكم في المجتمعات و تطوراتها . و قد ساهم علماء النفس في فهم الدوافع المتحكمة في سلوك الإنسان و من ثم العمل على إيجاد الكثير من الحلول للمشكلات النفسية .و هكذا فإن وجود الحتميات ليس عائقا أمام الحرية بل هو شرط للتحرر ..

نقد الموقف .. 

لكن على الرغم من محاولات الإنسان الجادة في فهم قوانين الطبيعة إلا أنه بقي أمام الإنسان الكثير من الجهد و العمل لمزيد من التحرر.

الموقف التركيبي .. 

إن التباين و الاختلاف بين الموقفين ، بين من يختصر العلاقة بين الحرية و الحتمية في علاقة الانفصال و بين من يرى أن بينهما علاقة لا تنفصل ، هذا التباين يدعو إلى البحث عن موقف ينظر إلى الموضوع من زاوية ثالثة ترى أن الإنسان تحيط به الكثير من الحتميات و هي تحد من حريته في بعض الجوانب و لكنها من ناحية أخرى تدفع الإنسان لمواجهتا و محاولة فهمها بغرض التعايش معها و الاستفادة منها .

حل الإشكال ..

 في الختام يجب أن ننظر إلى العلاقة بين الحرية و الحتمية على أنها علاقة تكامل وظيفي نِؤكد فيها أنهما مفهومان مختلفان لكنهما ليسا متناقضين .. فالإنسان ليس حرا حرية مطلقة و الحتمية ليست عائقا أمام حرية الإنسان .
أنت الان في اول موضوع
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع