القائمة الرئيسية

الصفحات

العولمة .. آداب و لغات ..


 

  العولمة  ..    طرح الاشكالية:

         تعتبر العولمة من أكثر المفاهيم السياسية و الاقتصادية تداولا في الأوساط الفكرية اليوم و يطلق عليها البعض اسم الكوننة أو الشوملة و هناك من يختصرها في الأمركة . و العولمة في المفهوم الاصطلاحي تشير إلى طبع الشيء بطابع عالمي غير أن العولمة ترتبط أكثر بالجانب الاقتصادي و لذلك فهي في عمومها تشير إلى سيطرة نمط اقتصادي واحد على دول العالم  . و قد صاحب ظهور العولمة و العمل بمقتضاها ردود أفعال متباينة بين رجال الفكر و السياسة بين مؤيد لها و اعتبارها مفتاح ازدهار الشعوب و نهضتها و بين رافض لها في شكلها و مضمونها . و في ظل هذا التباين الفلسفي و الفكري فإن السؤال المطروح .. هل تشكل العولمة بالنسبة لشعوب العالم حلا لمشكلاتها الاقتصادية أم هي على العكس من ذلك نكسة لها ؟

         تشكل العولمة بالنسبة لمؤيديها و المبشرين بها فتحا جديدا لدول العالم تنقلها من التخلف و الجمود إلى حياة أفضل  عنوانها من أجل اقتصاد عالمي رائد . و يعتبر فرانسيس فوكوياما من أبرز المدافعين و المبشرين بأطروحة الاقتصاد المعولم من خلال كتابه الشهير .. نهاية التاريخ .. الذي عبر فيه عن نهاية مرحلة الصراع بين الثنائية القطبية و إعلان انتصار القطب الرأسمالي الحر بعد انتهاء الحرب الباردة .

      و تهدف العولمة في نظر دعاتها إلى تحرير الفرد من كل القيود التي تكبله و تعيق نشاطه الاقتصادي و الفكري و الإبداعي لتفتح أمامه المجال نحو تحرير طاقته في جميع المجالات .حيث يجد الفرد نفسه متحررا من تبعيته لهيمنة الدولة و سيطرتها على النشاط الاقتصادي و تحفيزه على تحقيق طموحاته في الربح .

     إتاحة الفرص أمام الفرد لتطوير إمكانياته  و قدراته من خلال الاستفادة من فرص التكوين المتاحة عبر تكنولوجيا الإعلام و التواصل و هي الفرص التي لم تكن متاحة من قبل .

      و في المجال الاقتصادي تساهم العولمة في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية انطلاقا من زحف الشركات العالمية العملاقة بحثا عن الاستثمارات و ما يصاحب ذلك من فرص للعمل و امتصاص البطالة خاصة و أن العالم في ظل العولمة يتحول إلى سوق مفتوحة بلا حدود .

     كما أن العولمة تساهم في تدفق السلع و المنتجات العالمية لتحفيز المجتمعات على الاستهلاك الواسع و الذي يعني نشاط اقتصادي فاعل و ديناميكي . و هذا يعني انفتاح المجتمعات على كل المنتجات العالمية ما يؤدي في النهاية إلى تحقيق التكامل الوظيفي بين دول العالم .

       و في المجال الإعلامي حولت العولمة العالم إلى قرية صغيرة من خلال تكنولوجيا الإعلام و الاتصال و اصبح الوصول إلى أقصى نقطة في العالم لا يتطلب سوى الضغط على زر دون عناء يذكر . و في مجالها الثقافي أتاحت العولمة للأفراد الفرصة للاطلاع على ثقافات الشعوب و الاستفادة منها و تبادل الخبرات فيما بينها من خلال التدفق الواسع للأفكار عبر شبكات التواصل الإعلامي .

و هكذا ساهمت العولمة في تكوين نمط جديد من الإنسان متفتح على الغير مؤثرا فيه و متأثرا به و متجاوزا للحدود السياسية و الحواجز العرقية و الدينية تحت قبة  واحد ة هي الإنسانية .

      نقد الموقف ... غير أن الحقيقة الصادمة التي يخفيها هذا الوجه المشرق من العولمة هي أن هناك وجه آخر لا يبدو مشرقا و يحمل الكثير من التناقضات و السلبيات و العيوب تعبر عن نوع جديد من الاستعمار و الاستدمار لغالبية شعوب العالم .

في المقابل ينظر خصوم العولمة إلى العولمة على أنها استعمار جديد هدفه استنزاف ثروات الشعوب الفقيرة و الاستحواذ على مقدراتها الاقتصادية . و من أبرز المفكرين رفضا للعولمة .. هارولد جيمس .. من خلال كتابه .. نهاية العولمة .. بين أن العولمة هي الخطر الذي يجب التصدي له و الوقوف في وجهه . حيث يرى أن العولمة إعصار مدمر للقيم و ظاهرة سلبية و هي في نظر خصومها أكبر أكذوبة و أخطر قناع ترتديه الرأسمالية العالمية و تسعى من ورائها ال USA السيطرة على اقتصاديات العالم بحيث يقتصر دور الدول الكبرى على البيع بينما يقتصر دور الدول الضعيفة على الشراء و الاستهلاك . و لذلك فالعولمة هي من أبرز أشكال الهيمنة العالمية . من الناحية السياسية فإن العولمة حليف استراتيجي للدول الديكتاتورية و المتسلطة على رقاب الشعوب رغم الزعم بنشر الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و بذلك فهي تعمل على القضاء على مفهوم الدولة القومية و تقضي على سيادة الدولة .

         و تستخدم العولمة في سيطرتها على مقدرات الشعوب أدوات من صنعها مثل المنظمة العالمية للتجارية و صندوق النقد الدولي و البنك المركزي لفرض تبعية الشعوب لها عن طريق إغراقها بالديون . كما أن العولمة تبيح لنفسها التدخل السافر في الشؤون الداخلية للدول و تفرض الكثير من القيود على تلك الدول مثل التدخل في البرامج التعليمية و التربوية و فرض قيود على المنتجات الزراعية و غيرها .

       نقد ..إذا كانت العولمة بهذه السلبيات و المساوئ فهل هذا يدفع إلى الوقوف منها موقف الرافض لها  ؟ لا شك أن الوقوف منها موقف الرافض لها يجعلنا نغرد خارج السرب و نعيش على هامش الحياة لأن فيها من الإيجابيات ما يمكن الاستفادة منها .

        التركيب : العولمة سلاح ذو حدين ، أحدهما يحمل جانبا إنسانيا مهما هو الجانب الإيجابي الذي وجب التعامل معه بإيجابية و الأخر يمثل الجانب السلبي الذي وجب التعامل معه بحذر . و يمكن استغلال إيجابيات العولمة خاصة فيما يتعلق بتطوير قدراتنا في مجالين أساسيين هما الجانب التربوي و الجانب الصحي فهما معيار حضارة أمة أو عنوان تخلفها .

          الحل : إن المشكلة لا تكمن في العولمة في ذاتها و لكنها تكمن في طريقة التعامل معها فكم من الدول استفادت في وضع العولمة و حولتها أداة لصالح التنمية و الازدهار و التقدم  على غرار اليابان و تركيا و ماليزيا و غيرها .إن مواجهة العولمة يجعلنا خارج نطاق الزمن و الارتماء في أحضانها يعني مزيدا من التبعية للغير .

 

ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع