القائمة الرئيسية

الصفحات

الدال و المدلول .. استقصاء بالوضع ...قيل العلاقة بينالدال و المدلول علاقة ضرورية .. دافع عن هذه الأطروحة .. آداب و فلسفة .. آداب و لغات

 


  استقصاء بالوضع .. قيل العلاقة بين الدال و المدلول علاقة ضرورية  .. دافع عن صحة هذه الأطروحة

  المقدمة ..

  اللغة عند الإنسان وظيفة نفسية و أداة للتكيف باعتبارها جسر التواصل بين الأنا و الآخر، و تشكل  الكلمة وحدة أساسية في بنية اللغة و هي بنية مزدوجة  تتكون من  دال و مدلول ، الدال وهو اللفظ و المدلول وهو المعنى القائم في الذهن. و إذا كان الفلاسفة و علماء اللغة متفقين على وجود علاقـــة بين المفهومين إلا أن المشكلة المثيرة تدور حول طبيعة العلاقة بينهما ، الشائع عند البعض من الفلاسفة و علماء اللغة أن العلاقة بين الدال و المدلول علاقة اعتباطية .. غير أن هناك فكرة أخرى تناقضها ترى أن العلاقة بينهما علاقة ضرورية .فإذا كانت هذه الأطروحة السابقة ( العلاقة بين الدال و المدلول علاقة ضرورية ) أطروحة صحيحة و سليمة في سياقها و نسقها المنطقي فكيف يمكننا التأسيس للدفاع عنها و إثبات صحتها في ظل ما هو شائع من أن هذه العلاقة في طبيعتها اعتباطية ؟؟؟

       عرض منطق الأطروحة .. يدور منطق هذه الأطروحة حول التسليم بأن العلاقة بين الدال و المدلول هي علاقة في طبيعتها علاقة ضـــرورية . حيث يرى بعض العلماء والفلاسفة أن هناك علاقة تطابق بين الكلمات ومعانيها، إذ يكفي سماع الكلمة لمعرفة معناها. وأن  اللغة نشأت أولا من الإشارات الطبيعية المقصودة ثم انتقلت من تقليد أصوات الطبيعة إلى تصويرها .

       يؤكد أفلاطون أن العلاقة بين اللفظ ومعناه ضرورية تحاكي فيها الكلمات أصوات الطبيعة ، فبمجرد سماع الكلمة نعرف المعنى و الدلالة إذ انه يوجد تطابق بين الكلمات و المعاني ومن ذلك يكفي سماع الكلمة لمعرفة المعنى . كان نقول مثلا :" زقزقة" تشير بالضرورة إلى صوت العصافير . وكلمة "المواء" تشير إلى القط و العواء تشير إلى الذئب .

و يؤمن ابن فارس صاحب موسوعة مقاييس اللغة أن ألفاظ اللغة صيغت بطريقة قصدية و أن الغريق يحدث صوتا يتطابق مع لفظ الغرق .. و الواقع أننا لا يمكن وصف ألفاظ القرآن بالاعتباطية لأنها مصممة بشكل دقيق بحيث لا يمكن لكلمة أن تعوض كلمة أخرى فكلمة جاء في القرآن لا تعني أتى لأنها تعبر بدقة عن معنى خاص و دقيق .

      و يشير بنفنست  إلى أن الترابط بين الدال و المدلول من قبيل التلازم بينهما فالكلمة الفارغة من أي مدلول لا تترك في الذهن أي انطباع و لا ترسم أي صورة لأن الذهن كما يقول لا يحتوي على أشكال خاوية

الدفاع بحجج شخصية . يمكن التأكيد على صحة هذه الأطروحة من الكثير من المبررات والحجج ...حيث يؤكد الكثير من الفلاسفة و علماء اللغة أن نشأة اللغة عملية قصدية موحية فلو كانت العلاقة بين الدال و المدلول اعتباطية لأنشأ كل فرد لغة خاصة يتحدث بها  و من ثم تفقد اللغة وظيفة التواصل التي من أجلها أنشئت فالكل  ملزم بالتحدث بلغة القوم ، و استعمال نفس الإشارات الصوتية حتى يتم التواصل بينهم.

   في السياق ذاته يشير البعض إلى أن صياغة بعض الكلمات نابع من وظيفة المسمى فالسيارة تشير إلى وظيفة السير و الطير يشير إلى الطيران و هكذا ..و نفس الطرح نجده عند (رافسون ) حينما أكد أن لغة الإنسان هي تقليد للغة الحيوان و قد أكد ( داروين ) أن الإنسان كان يستعمل لغة الإشارات المنقولة عن الحيوان ثم تخلى عنها و أصبح يطبق الصوت . ويؤكد علماء اللغة أن بعض الحروف لها معان خاصة حيث  يوحي إيقاع الصوت و جرس الكلمة بمعنى خاص " فحرف الحاء مثلا يدل على الانبساط و الراحة( مثلا حياة, حليم , حنين ) ..... و الخلاصة أن العلاقة  بين الاسم و المسمى علاقة طبيعية تم اختيار الأسماء بطريقة فيها توجه مقصود للاختيار ليناسب المعنى الذي يدل عليه بشكل دقيق .

نقد خصوم الأطروحة ..

       في المقابل يرفض خصوم هذه الأطروحة أن  تكون اللغة  قد تم تشكيلها بطريقة قصدية و يؤكدون على أنها تشكلت بطريقة اعتباطية عن طريق الاتفاق على اللفظ المعبر عن المعنى ..و من ثم تكون الغاية وظيفية هدفها التمييز بين الأشياء حتى يمكن التعامل معها و التعبير عنها . فلو كانت العلاقة ضرورية كما يزعم البعض فلماذا كل مجتمع يتكلم بلغة مختلفة عن غيره من المجتمعات ؟ ألا يدل ذلك على أن العملية متحكم فيها من طرف أصحابها و بطريقة تواضعية و اصطلاحية . فالكلمات لا تحمل أي معنى في ذاتها، لأنها تمت نتيجة الاتفاق والتواضع بين أفراد المجتمع. وبذلك فإن الأفراد هم الذين خلقوا اللغة بتواضعهم و اصطلاحهم عليها .

      و هذا المعنى مستنبط  مما ذهب إليه عالم اللسانيات السويسري دوسوسير من أن العلاقة بين الدال  المدلول اعتباطية تحكمية , أي لا وجود لأي منطق أو تفسير جعلنا نسمي السماء سماء . و في ذلك يقول:"(إن الرابطة الجامعة بين الدال والمدلول رابطة تحكمية )

نقـد: لكن مثل هذا التصور في فهم العلاقة بين الدال و المدلول يحيل إلى أن اللغة تخلو من أي ترتيب أو نسقية أو منطق أو نظام و أنها لا تخضع لأية قاعدة نستند إليها في اشتقاقاتنا لمختلف الأسماء و هو ما لا نلاحظه في مختلف اللغات الحية اليوم .فكل اللغات الحية اليوم تقوم على قواعد ثابتة في النحو و الصرف و الإعراب و هو ما يجعلها قابلة للحياة و إلا فهي عرضة للانقراض و الموت .من جهة أخرى هناك تناقض بين القائلين بالاعتباطية في اللغة على الرغم من أنهم يقرون في تعريفها بأنها نسق أو نظام من الرموز و الإشارات و هذا التعريف يتناقض مع القول بالاعتباطية .

الخاتمة:  ( التأكيد على مشروعية الدفاع )

نستنتج في الختام أن أطروحة ا لخصوم القائلة بالعلاقة الاعتباطية  لا يمكن الأخذ بها لأنها كما رأينا غير مبررة و غير مؤسسة و هذا ما يلزم عنه القول بصحة الأطروحة النقيضة القائلة بالعلاقة الضرورية و هذا استنتاج منطقي لا يقبل الشك لأن القضيتين المتناقضتين لا يصدقان معا و لا يكذبان معا و هذا يكفي لتبرير مشروعية الدفاع عنها و الأخذ بها .

ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع