القائمة الرئيسية

الصفحات

هل يمكن الاستغناء عن الفلسفة ؟

 قيمة الفلسفة 

 (أداب و لغات علوم تجريبية تقني رياضي و تسيير)




                     أهمية الفلسفة  ..

 هل يمكن الاستغناء عن الفلسفة في ظل العلم ؟



الفلسفة هي نمط متميز من التفكير يبحث في الوجود و القيم والمعرفة و كانت قديما تعرف بأم العلوم بالنظر إلى مكانتها عند المفكرين ، غير أن ازدهار المعرفة العلمية و انبهار الإنسان بنتائج العلم و التي شملت مناحي الحياة كلها سرعان ما زعزع الإيمان بقيمة الفلسفة و أهميتها و هو ما جعل البعض من العلماء ينظر إليها على أنها فقدت مبررات وجودها و أصبحت في حكم المنتهي الصلاحية .. غير أن بعض النتائج المدمرة في مسار العلم أعاد الاعتبار إلى الفلسفة على أنها صمام الأمان أمام انزلاقات العلم المدمرة للإنسان بنظر البعض الآخر .و من هنا فإن السؤال المعبر عن هذه الإشكالية .. هل فقدت الفلسفة مكانتها و قيمتها أمام الزحف المتنامي للعلم ؟ و هل فعلا أصبح العلم بديلا كافيا للفلسفة ؟

بالنظر إلى النتائج المادية التي يحققها العلم خدمة للإنسان و في شتى مجالات حياته و بالنظر إلى النقلة النوعية التي أحدثا التقدم العلمي في حياة الإنسان ينظر الكثير من المفكرين و العلماء إلى الفلسفة على أنها فقدت مبررات وجودها و أصبحت في حكم المنتهي الصلاحية و أن الاستغناء عنها ضرورة تحتمها طبيعة نمط الحياة اليوم في ظل انتشار المعرفة العلمية .. و من هذا المنطلق أصبح العلم بديلا كافيا للفلسفة . و يمكن حصر الكثير من المبررات التي يستند إليها أصحابها لتبرير موقفهم الرافض للفلسفة منها ......ما ذهب إليه أوغست كونت من أن التفكير الإنساني مر بثلاث مراحل أساسية هي مرحلة التفكير اللاهوتي ثم التفكير الميتافيزيقي ليستقر أخيرا على نمط التفكير العلمي و التي يسميها المرحلة الوضعية . و بذلك أصبح التفكير العلمي اليوم بديلا عن التفكير الفلسفي و أصبح الجميع مقتنعا بأن الفلسفة فقدت بريقها و لم تعد تغري أحدا و أن التخلي عنها أصبح أكثر من ضرورة .

و بالنظر إلى النتائج المبهرة التي حققها العلم خدمة للإنسان في مجالات واسعة من حياته أصبح السؤال الذي يطرح دائما ما الذي قدمته الفلسفة لإنسان اليوم و نحن نرى على مدار الساعة العلم و هو يقتحم كل المجالات بدءا من وسائل النقل إلى تكنولوجيا الإعلام و الإتصال إلى غيرها من الخدمات في حين انحصر دور الفلسفة في مجرد إثارة المواضيع الفكرية بطريقة لا تمت بصلة إلى واقع الإنسان لا من بعيد و لا من قريب . يقول المفكر ..زكي نجيب محمود .. ( ماذا يصنع الإنسان بهذا الركام من الفلسفة التي تصنع لنا مذاهب و آراء .. أليس ذلك دليلا عل النتائج العقيمة للتفكير الفلسفي ؟) إن الفلسفة بهذا النمط من التفكير كمن يبحث عن قط أسود في غرفة مظلمة ..
لقد استطاع الإنسان بواسطة العلم أن يخضع الطبيعة لإرادته و تحكم في الكثير منها بينما الفلسفة أغرقته في الكثير من التشتت و اختلاف الأراء و الإغراق في التجريد .

و يرفض رجال الدين من مختلف الملل الفلسفة جملة و تفصيلا فقد انتقد الغزالي الفلاسفة و اعتبرهم دعاة إلحاد و كفر و انتقد منطقهم و منهج تفكيرهم و أبطل حججهم في كتابه المشهور .. تهافت الفلاسفة .. كما صب ابن تيمية جام انتقاده على الفلسفة و الفلاسفة حيث يقول ... من تمنطق تزندق .. و الرأي ذاته نجده عند ابن الصلاح حيث يقول : إن الفلسفة هي الشر بعينه .

نقد الموقف ..

 إن مقابلة الفلسفة بالعلم منطق غير مبرر لأن لكل منهما طريقته في التفكير ثم إن العلم لا يمكن أن يكون بديلا عن الفلسفة ففضول الإنسان أوسع و أعمق من قدرة العلم على تغطيته فهناك أسئلة جوهرية لا يجد لها إجابات في العلم و هي من صميم البحث الفلسفي .


في المقابل يرى فريق آخر من الفلاسفة أن الفلسفة كانت و لاتزال ضرورية بالنسبة للإنسان و يتبنى هذا الموقف بعض الفلاسفة منهم ديكارت ..برتراند راسل و غيرهما .. فقد ذهب كارل ياسبيرس أن السؤال في الفلسفة أهم من الجواب و كل جواب يتحول في النهاية إلى سؤال .. و من هنا تكمن أهمية الفلسفة فهي تستفز العقل و تثير الفكر و تدفع إلى التفكير و البحث و لو تأمل الرافضين للفلسفة لأدركوا أن العلماء تكون بدايتهم من سؤال فقد تساءل نيوتن بعد ما لاحط سقوط التفاحة و كان سؤاله مفتاح باب المعرفة .. إن قيمة الفلسفة تكمن قدرتها على تحويل إي ظاهرة مهما كانت تافهة إلى قضية مثيرة للبحث . و قد ذهب ديكارت إلى أن الفلسفة عنوان للشعوب المتحضرة و بواسطتها يمكن تمييز الشعوب المتحضرة عن الشعوب المتوحشة .. كما أن الحضارات هي خلاصة للفكر الفلسفي في مرحلة زمنية محددة و أن وراء كل حضارة فلاسفة عظماء .. فقد أفرزت الحضارة اليونانية ثلة من الفلاسفة من أمثال سقراط ، أرسطو أفلاطون و غيرهم كما شهدت الفلسفة الإسلامية ميلاد ابن سينا و الفارابي و ابن رشد و كذلك الأمر في الحضارة الغربية اليوم حيث يلوح في سمائها أسماء من أمثال ديكارت كانط سارتر دوركايم و غيرهم كثير .

و قد أشاد برتراند راسل بالفلسفة و أبرز قيمتها حيث يقول ..( إن أهمية الفلسفة تأتي من كونها تشد أنفسنا و يقظتنا الفكرية لأن هناك قضايا خطيرة في الحياة لا يستطيع العلم معالجتها ) و هي قضايا ما وراء الطبيعة و القضايا الإيمانية و قد انتقد كارل ماركس منطق الرافضين للفلسفة و اعتبر موقفهم بلا حجة و بلا دليل حيث يرى أن الفلاسفة هم ثمرة عصرهم لأن الفلسفة ليست خارج الواقع . و هكذا فإن قيمة الفلسفة تكمن في ديمومة البحث عن الحقيقة من خلال إثارة المشكلات و تحويلها إلى موضع للبحث فهي لا تعتني بالإجابات بقدر ما يهمها أن يتحول الجواب إلى مشكل قابل للنظر و الفكر و الأخذ و الرد و بذلك تضمن الفاعلية و الحيوية و الاستمرار في البحث .

و من الفلاسفة المسلمين الذين أشادوا بالفلسفة ابن رشد و من خلال كتابه ( تهافت التهافت ) يكون قد فند الحجج التي قدمها الغزالي في نقد الفلسفة و الفلاسفة و بين أن القرآن ذاته يدعو إلى التأمل و التفكير و التدبر حيث يقول ( إن الشريعة حق و الحكمة حق و الحق لا يتناقض مع الحق ) و يقصد بالحكمة الفلسفة . و استمات في الدفاع عن الفلسفة و أشاد بدور العقل في استجلاء الحقيقة . إن نقد الفلسفة يعتبر عند باسكال نوع من التفلسف حيث يقول ( كل تهجم على الفلسفة هو في الحقيقة تفلسف )

و هكذا فإن للفلسفة مكانتها في دائرة التفكير الإنساني و الاستغناء عنها هو في الواقع استغناء عن التفكير ذاته ...

النقد:

لا شك أن الفلسفة تنير العقل وتفتح له آفاق عديدة كما تساعد الإنسان على فهم الحياة والتفاعل معها. لكنها في الوقت ذاته لا تعطينا أجوبة كافية شافية لما نطرحه من تساؤلات ..بحيث نجد لكل سؤال ما لا نهاية من الأجوبة وكل جواب يولد مجموعة من الأسئلة لا نهاية لها.

التركيب .

 بين الرافضين للفلسفة جملة و تفصيلا و القائلين بأهميتها و ضرورتها حاول البعض إيجاد نوع من التوافق بين الرأيين حيث أن المقابلة بين العلم و الفلسفة و اعتبارهما على طرفي النقيض قول لا تبرره طبيعة العلم و الفلسفة في ذاتهما ، فلكل منهما مجاله الخاص في البحث و لكل منهما طريقة مميزة في التفكير و كلاهما في خدمة الإنسان . فكثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الإنسان بدافع الفضول لديه و منها ما لا يستطيع العلم الإجابة عنها .إن الاهتمام بالفلسفة هو اهتمام بالعلم و العكس كذلك صحيح . الخاتمة: نستنتج في الختام أن الاختلاف بين الموقفين مرده إلى اختلاف النزعة المذهبية و عليه فإن رفض الفلسفة باسم العلم لا يستند إلى مبررات واقعية لأن كل من الفلسفة و العلم يساهم في خدمة الإنسان و زيادة رصيده العلمي و المعرفي . لا يعني أن الفلسفة بقيت بلا موضوع بل أن العلاقة بين العلم و الفلسفة تتأكد يوما بعد آخر فلا مجال للفصل بينهما. فالفلسفة إذن ضرورية لفهم طبيعة الإنسان يقول أرسطو: "الحياة الخالية من التأمل لا تليق بالبشر"
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع