القائمة الرئيسية

الصفحات

العنف التسامح : هل من الحكمة أن نواجه العنف بالتسامح ؟










العنف و التسامح .. هل من الحكمة أن نقابل العنف بالتسامح ؟

المقدمة و طرح الإشكال ..

ظاهرة العنف من الظواهر التي لا يكاد يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية بدرجات متفاوتة ، و العنف في مفهومه العام هو إلحاق الضرر المادي أو المعنوي بالغير ، و إذا كان مفهوم العنف لا يثير أي خلاف بين الفلاسفة و المفكرين إلا أن القضية المثيرة للجدل تدور حول علاقة العنف بالتسامح و طريقة مواجهته و التصدي له ..لما كان العدل يقتضي أن نقابل الخير بالخير ذهب البعض إلى أن من العدل أن نقابل العنف بعنف مثله . بينما ذهب البعض الآخر إلى أن الحكمة تقتضي أن نقابل العنف بما يناقضه .. في ظل هذا التعارض نتساءل ..

إذا كان من المنطقي أن نقابل الجميل بجميل مثله أليس من المنطقي أيضا أن نواجه العنف بعنف مثله ..؟

مقابلة العنف بالعنف ( مشروعية تبرير العنف )

يرى بعض الفلاسفة و المفكرين أن العنف ظاهرة إنسانية طبيعية مشروعة و مبررة .. فقد ذهب قديما .. هيروقليدس .. إلى اعتبار العنف أصل العالم و محركه الأول و الأساسي ..

كما اعتبر بعضهم أن العنف قانون طبيعي و أن سيطرة القوي ظاهرة طبيعية في المجتمع الإنساني كما هو الحال في المجتمع الحيواني .. فقد قال .. كليكلاس .. إنه من العدل أن يسيطر القوي في المجتمع الإنساني كما يسيطر القوي في الطبيعة .. و الفكرة ذاتها نجدها عند المفكر ميشال فوكو الذي يرى أن القوي ماديا هو الذي يفرض حقيقته و لو كانت كاذبة .. و قد وصف لا فونتان واقع المجتمعات بأن منطق الغالب هو الأفضل و هي إشارة إلى أن من يملك القوة يملك الحق . و من منطلق الطبيعة الشريرة التي تميز الإنسان برر طوماس هوبز ظاهرة العنف و أضفى عليها طابع الشرعية حين قال : الإنسان شرير بطبعه و ذئب لأخيه الإنسان و من منطلق هذه المسلمة فإن السلوك المناسب للإنسان هو السلوك العدواني العنيف فطالما نحن في مجتمع الذئاب فالحكمة تقتضي أن نتعامل على ضوء قاعدة ( إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ) . و يعتبر العنف من وجهة نظر التحليل النفسي بزعامة سيقموند فرويـــــد ظاهرة طبيعية و فطرية تعبر على علاقة الصراع بين غريزة حب الحياة و غريزة النفور من الموت

حيث تمثل الحياة مصدر كل فرح و حنان بينما الثانية فهي مصدر كل سلوك عدواني تخريبي .و في ذات السياق ذهب مكيافللي إلى اعتبار الإنسان كتلة من الصفات الخبيثة و الشريرة التي تميزه و قد لخص موقفه في كتاب ..الأمير ..مشيرا إلى أن القسوة و الرذيلة و الخداع و النفاق صفات ضرورية لضمان هيبة الدولة و استمرارها و من أشهر أقواله في الحاكم الناجح ( من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك ) ..و تؤمن النظرية الماركسية بزعامة كارل ماركس بالعنف الثوري كأسلوب لاسترجاع الحقوق من خلال المظاهرات و الاحتجاجات العنيفة .و تقوم السياسة الأمريكية في تعاملها مع دول العالم على استراتيجية الاحتواء المزدوج ( سياسة العصا و الجزرة ) ..و هناك من يبرر العنف من منطلق الدفاع الشرعي عن النفس و مقاومة المعتدي و من منطلق مبدأ القصاص و الفعل و رد الفعل . و هكذا فالعنف ظاهرة إنسانية مشروعة و مبررة و إن اختلفت دوافعها و أسبابها ..

نقد الموقف .. إن العنف لا يولد إلا العنف فكما أن صب الزيت على النار يزيدها اشتعالا فكذلك العنف يزيد العنف اتساعا . لذلك يعد العنف أسلوبا بدائيا في التعامل مع الإنسان فهو مصدر لاتساع دائرة البغضاء و الرغبة في الانتقام و تدمير الذات و الأخر . فالعنف إذن هو مصدر كل الشرور و من هنا فالعنف كما يقول البعض ضعف .

في المقابل يرفض فريق آخر من الفلاسفة أن يكون العنف سلوكا إنسانيا مقبولا ناهيك عن كونه سلوكا مبررا و مشروعا و يرون أن أحسن وسيلة لاحتواء العنف و مواجهته هي التسامح . إن للعنف سلبيات كثيرة تجعلنا نحكم عليه بأنه تعبير عن حالة الضعف و اليأس و عدم القدرة على الإقناع فكلما ضاق العقل في مجال الحجة و البرهان كان اللجوء إلى العنف تعبيرا عن حالة الفشل الذريع في المواجهة التي أبرز سلاحها هو الحجة و البرهان .فقد ذهب جون جاك روسو إلى أن الطبيعة البشرية خيرة حيث يقول .. الإنسان خيـــــــــــــر بطبعه .. و من هذا المنطلق فالسلوك الغالب على هذه الطبيعة هو التسامح باعتباره سلوكا إنسانيا و حضاريا راقيا .و لذلك يقول أحد المكرين : إن التسامح لا يأتي إلا بخير .. و القول بأن قانون الطبيعة هو قانون الغاب قول ينطوي على الكثير من المغالطات لأن الحقيقة هي أن قانون الطبيعة هو قانون التوازن البيئي فالأسد لا يموت جوعا و الغزالة لا تنقرض .. و إذا كان الحيوان و هو بلا عقل لا يمارس العنف إلا دفاعا عن نفسه أو بحثا عن حاجته الغذائية فكيف بالإنسان العاقل . و قد شهد تاريخ الصراعات الدامية بين المجتمعات الإنسانية لا ينتهي إلا على طاولة التفاوض و التنازل عن الحقوق .. و قد اشتهر الزعيم الهندي .. مهاتما غاندي .. بأسلوب المقاومة السلمية في مواجهة الاستعمار الإنجليزي و هو الذي كان يقول ..( العنف هو سلوك البهيمة و التسامح هو سلوك الإنسان ..) .

و في الفكر الإسلامي عرف الدين الإسلامي بأنه دين تسامح بامتياز و قد اشتهرت النصوص الدينية بالكثير من التوجيهات التي تحث على التسامح و التمسك به في مواجهة الخصوم قبل الأصدقاء فقد جاء في القرآن ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم) و منها قوله تعالى : و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين )

و عرفت السنة النبوية أيضا الكثير من النصوص الحاثة على التحلي بخلق التسامح منها ( العفو عند المقدرة ....ليس الشديد بالصرعة و الكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب ...إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه و لا ينزع من شيء إلا شانه ... و هذا قليل من كثير ..و في فتح مكة واجه الرسول الكريم أعداءه بقوله لهم ..اذهبوا فأنتم الطلقاء ..

و هكذا فإن التسامح سرح فتاك في مواجهة العنف و احتوائه .

لكن على الرغم من أهمية التسامح كقيمة إنسانية تسمو على الأحقاد و طغيان الذات إلا أن التمادي فيه بشكل مطلق قد يكون رسالة غير مستوعبة فقد يقرأها البعض على أنها علامة ضعف و من ثم تفقد قيمتها الإنسانية و تفقد فاعليتها .

الموقف التركيبي .. إن التعارض بين الأطروحتين يدفعنا إلى البحث عن موقف ثالت لتجاوز هذا المأزق الفلسفي و لذلك حاول البعض إيجاد نوع من التوافق المنطقي بين الأطروحتين من خلال نظرة أكثر شمولية تقوم على أساس التوفيق بين الموقفين حيث ترى أن العلاقة بين العنف و التسامح تحددها طبيعة المواقف التي تواجهنا في الحياة فالعنف ليس ظاهرة مبررة في كل الأحوال كما أن التسامح ليس على إطلاقه فأحيانا يكون العنف سلوكا ضروريا للردع و أحيانا يكون التسامح سلاحا فتاكا في مواجهة الخصوم .

نستنتج ختاما أن مواجهة العنف بالعنف ليس حلا في كل الأحوال كما أن مواجهة العنف بالتسامح قد لا يحقق الغاية المرجوة و عليه فإن المواقف التي تواجه الفرد هي من يحدد طبيعة الأسلوب المعتمد و لنا في العدالة عبرة في كيفية التعامل مع المذنبين فهي تتعامل بقسوة مع ذوي السوابق العدلية و تتعامل بمرونة أقل مع غيرهم و هكذا ...



ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع