القائمة الرئيسية

الصفحات

طريقة الاستقصاء بالوضع 





      دافع عن صحة الأطروحة ... الشعور مبدأ وحيد  للحياة النفسية ......

         كان الاعتقاد السائد لدى الكثير من علماء النفس المعاصرين و خاصة مدرسة التحليل النفسي أن اللاشعور يشكل أساسا مركزيا للحياة النفسية .. غيلا أن هناك فكرة أخرى تناقضها تدور حول مركزية الشعور في الحياة النفسية بمعنى أن الشعور (الوعي) هو المبدأ الوحيد للحياة النفسية .. فإذا كانت هذه الفكرة السابقة ( الشعور أساس الحياة النفسية ) فكرة صحيحة في سياقها المنطقي فكيف يمكننا التأسيس للدفاع عنها و إثبات صحتها في ظل ما هو شائع من أن الشعور ليس مبدأ وحيدا في الحياة النفسية ؟

          عرض منطق الأطروحة : الشعور ( الوعي) كمبدأ وحيد للحياة النفسية  

           الإنسان كائن عاقل و هذا يستلزم أن يكون مدركا لما يحيط به واعيا لما يجري بداخله من أحوال نفسية كالفرح و الحزن و الخوف و القلق و غيرها . أي أن تعرف الإنسان على أحواله النفسية تلك يتم من خلال الوعي أي الشعور ، فيتعرف على الخوف من خلال الشعور بالخوف و على الفرح من خلال الشعور بالفرح و هكذا ...و بالتالي فإن كل حالة نفسية شعورية و أنه لا فرق بين الشعور و النفس و أن الإنسان يعرف كل ما تنطوي عليه نفسه من أحوال باطنة . ذلك هو الموقف الفلسفي و منطق الأطروحة التي يتبناها أنصار المدرسة التقليدية في علم النفس ... إن منطق هذه الأطروحة يقوم على أساس أن الشعور هو المبدأ الوحيد للحياة النفسية و أنه هو السيد في بيته ، فيكفي أن يحلل الإنسان شعوره ليتعرف بشكل واضح على كل ما يحدث في ذاته من أحوال نفسية و كل ما يقوم به من أفعال و تصرفات . يقول ديكارت ( الحياة النفسية و الشعور مترادفان ) . ويصف برغسون الشعور بأنه ديمومة أي أن حياة الإنسان دائمة الشعور و لا تخلو فترة منها من الشعور ن الشعور دائم بدوام حياة الإنسان ولا توجد فترات متقطعة في حياته) .

                                     الدفاع بحجج شخصية .......

      يعتقد ديكارت (أن النفس لا تنقطع عن التفكير إلا إذا تلاشى وجودها ) ، و من هنا جاء التسليم بمبدأ المطابقة بين النفس و الشعور و تعبير أحدهما عن الآخر . إن حياة الإنسان عند ديكارت نوعان حياة نفسية و هذه كلها شعورية و حياة فيزيولوجية و هذه لاشعورية ..في هذا السياق يقول ديكارت :" لا توجد حياة نفسية خارج الروح إلا الحياة الفيزيولوجة بالنسبة لديكارت لا توجد إلا حياة نفسية واحدة هي الحياة النفسيـــة الشعوريـــة فكما أن من خصائص الجسد أنه يحــــس .. فكذلك من خصائص النفس عند ديكارت أنها تشعر ، و من التناقض القول بأنها تشعر و في ذات الوقت لا تشعر ، إذ لا يمكن الجمع بين المتناقضين ، نفس لا تشعر و عقل لا يعقل. يقول ديكارت مؤكدا على هذا المعنى : ( إن النفس لا تنقطع عن التفكير إلا إذا تلاشى وجودها ...)  إن اللاشعور عند ديكارت ليس نفسيا بل يوجد خارج النفس في بعض الأنشطة الفيزيولوجية التي تحدث دون وعي مثل الدورة الدموية و تكاثر الخلايا .و عليه يقول ديكارت :( النفس جوهر ميتافيزيقي  بسيط يتكون من الشعور فقط ). و يعتبر الفكر عند ديكارت أهم مظهر من مظاهر الشعور فعندما يقول ديكارت ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) فهو يقصد أن الفكر وعي و الوعي شعور ، فما أشعر به فهو موجود و ما لا أشعر به فهو غير موجود ...

 و قد ذهب ـ مين دو بيران ـ مذهبا مماثلا لما ذهب إليه ـ ديكارت ـ فهو يرى أن: ( علم النفس هو وصف و تفسير للأحوال الشعورية ) و من ثم فإن الشعور موجود لأنه قابل للملاحظة عكس اللاشعور فهو غير قابل للملاحظة و بالتالي فهو غير موجود . و قد عزز الفيلسوف  ـ آلان ـ هذا التوجه حين أكد ( أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر دون أن يشعر بتفكيره ...) و بالرجوع إلى معجم " لالاند " نجده يعرف الشعور بأنه ( حدس الفكر لأحواله و أفعاله ) و بذلك فالشعور هو الوعي الذي يصاحبنا أثناء قيامنا بأي عمل أو تصرف .

نقد خصوم الأطروحة

الموقف النقيض : رفض المطابقة بين الحياة النفسية و الوعي ...مدرسة التحليل النفسي

في المقابل يرفض أنصار مدرسة التحليل النفسي أطروحة مطابقة النفس للوعي أو التماهي بين الحياة النفسية و الشعور .. و يرون أن هناك ما يبرر القول بوجود حالات نفسية تفلت من وعي الذات لها و أن هناك أنشطة نفسية تخفى وراءها رغبات مكبوتة ما يعزز الاعتقاد بفرضة اللاشعور كمظهر مختلف من مظاهر الحياة النفسية . و اللاشعور يعبر عن مجموعة الرغبات المكبوتة و الذكريات المنسية و الأحداث المؤلمة التي يمر بها الفرد و التي تؤثر في سلوكه بطريقة لاشعورية . و هكذا فإن الحياة النفسية أوسع من مجرد حالات شعورية واعية بل و أن الجانب الشعوري فيها لا يمثل إلا جزءا ضئيلا قياسا بالجانب اللاشعوري المترامي الأطراف. في هذا السياق يقول ــ سيقموند فرويد ــ ( إن تقسيم الحياة النفسية إلى شعورية و لا شعورية هو الفرض الصحيح عندنا ) .. إذن الحياة النفسية عند ـ فرويد ـ ليست شعورية فقط بل هناك جانب آخر هو اللاشعور .

 (يقول فرويد  :اللاشعور فــــــــــــــــــــرضية لازمة و مشروعــــة و لدينا أدلة تثبت ذلك .)

النقد :     غير أن هناك الكثير من الجوانب في نظرية اللاشعور بقيت رهن تأويلات فلسفية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع العلمي كتلك التفسيرات المتعلقة بعقدة أوديب و عقدة إليكترا و ما خالطها من أساطير لا تمت بصلة إلى المعرفة العلمية .من جهة أخرى تعرضت نظرية اللاشعور عند فرويد إلى كم هائل من الانتقادات و من طرف علماء و أطباء و منهم ستيكال الذي رفض فكرة اللاشعور جملة و تفصيلا و أقام الدليل التجريبي على وهم هذه الفكرة و ابتعادها عن ساقها المنطقي و العلمي . كما أن ابرز تلامذة فرويد .. آدلر و يونغ . كلاهما فند بطريقته أساس نظرية اللاشعور و قدما بديلا مختلفا لتفسير فرويد للسلوك الإنساني .و بذلك تسقط نظرية فرويد أمام انتقادات خصومه و تتأكد أطروحة الشعور كأساس لتفسير الحياة النفسية .

حل الإشكال  و التأكيد على مشروعية الدفاع

نستنتج في الختام أن الفكرة الشائعة القائمة على مركزية اللاشعور في الحياة النفسية هي أطروحة فاسدة و متهافتة مع الواقع العلمي ولا يمكن اعتمادها كأساس لتفسير السلوك الإنساني و هذا ما يحيل إلى القول بالضرورة المنطقية أن الأطروحة النقيضة القائمة على مركزية الشعور كمبدأ للحياة النفسية أطروحة صحيحة و سليمة لأنه لا يمكن الجمع بين متناقضين و لأن القول بالشعور كسيد في الحياة النفسية ينسجم مع طبيعة الإنسان العاقل الواعي المدرك .و هذا يكفي لتبرير مشروعية الدفاع عن هذه الأطروحة ....
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع