القائمة الرئيسية

الصفحات

جدلية العلاقة بين السياسة و الأخلاق

هل الممارسة السياسية تستبعد بالضرورة المعاملات الأخلاقية ؟


المقدمة و طرح الإشكال ..


الطبيعة الاجتماعية للإنسان تجعل من الضروري قيام نظام سياسي وظيفته الأساسية تنظيم العلاقة بين جهاز الحكم (الدولة) و الرعية المتمثلة في الشعب من جهة ، و من جهة أخرى بين أفراد الرعية أنفسهم .. و إذا كان من الطبيعي وجود الدولة في المجتمع إلا أن الخلاف القائم بين الفلاسفة حول أساليب ممارسة الدولة لسلطتها ..و بالنظر إلى أن الإنسان ينقاد و يستجيب أكثر إلى السلطة ذات العصا الغليظة ذهب البعض إلى ضرورة استبعاد الأخلاق عن أية ممارسة سياسية ..غير أن هناك من يرى أن الممارسة السياسية تقتضي بالضرورة المعاملات الأخلاقية باعتبار القيمة الإنسانية للإنسان ..في ظل هذا الجدل الفلسفي و العناد الفكري نتساءل : هل من الضروري أن يمارس الحاكم وظيفته السياسية بعيدا عن أي اعتبارات أخلاقية ؟ بمعنى آخر هل استبعاد الأخلاق عن الممارسة السياسية ضرورة لازمة تقتضيها مصلحة الدولة ؟


استبعاد الأخلاق عن الممارسة السياسية ..


يرى بعض المفكرين أن الحكمة تقتضي ضرورة ممارسة السياسة و إدارة الحكم بعيدا عن أي اعتبار أخلاقي بمعنى أن الممارسة السياسية لا تستقيم إذا لم يكن الحاكم حازما و قويا يمارس مهامه دون الالتزام بأية قاعدة من القواعد الأخلاقية المتعارف عليها ..إن براعة السياسي تكمن في تحرره من القيود الأخلاقية و الدينية فالسياسة و الأخلاق لا يلتقيان و لا يتفقان .. فقد آمن ..نتشـــه .. بضرورة الفصل بينهما حيث يقول : ( السياسة لا تتفــق مع الأخلاق في شيء) . بل و ذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد على ضرورة أن يتصف الحاكم بكل صفة غير أخلاقية ..( الحاكم المكبــل بالأخلاق ليس سياسيا بارعا ) ... (إن الأمانة و المحبة و الرحمة هي فضائل أخلاقية لكنها في السياسة رذائــــــل ) .. إن قوة الحاكم الحقيقية تكمن في ابتعاده عن الأخلاق لأن الأخلاق في نظره ..(من شيم الضعفاء ).


هذه النظرة القائمة على الفصل بين السياسة و الأخلاق نلمسها بشكل واضح في فكر مكيافللي الذي يرى أن استقرار الدولة و حفظ النظام يتطلب نوعا من الرجال أهم ما يتمتعون به استبعاد الأخلاق في السياسة . نظرية الحكم عند مكيافللي قائمة على فلسفة ..( الغاية تبرر الوسيلة ) ، لذلك فإن الحفاظ على النظام و استقرار الدولة و البقاء في الحكم يجعل من كل ممارسة سياسية غير أخلاقية وسيلة مشروعة و أداة مبررة و يصبح العنف و قمع الحريات و الحزم و الضرب بيد من حديد وسائل مشروعة تقتضيها المصلحة العليا للدولة .إن الغاية تبرر الوسيلة و الضرورة لا تعترف بالقانون و على الحاكم أن يستغل ما شاء من الصفات في سبيل غايته بعيدا عن الأخلاق و الدين .و مما لا شك فيه فإن هذه الأطروحة تستند إلى تصور الإنسان كائنا ذا طبيعة شريرة و من ثم فالتعامل معه يأخذ دائما بعدا غير أخلاقي .


و قد نجد مثيلا لهذه الفلسفة عند ..موسوليني ..الذي يرى أن ( السلام غير ممكن و غير مفيد و أن الحرب وحدها هي البعث على نشاط الإنسان ) .فالدولة القوية و الديكتاتورية دولة على قدر كبير من الاستقرار ، و دولة تتمتع بهيبة من قبل رعاياها و ذلك ما كان يصبو إليه مكيافللي و هو ينصح الحاكم : ( من الأفضل لك أيها الأمير أن يهابك الناس على أن يحبوك .. )و يتجرأ الأفراد على الدولة و يقل احترامهم لها و تكثر الاضطرابات و الفتن كلما جنحت الدولة إلى اللين و خطاب الرحمة و الأخلاق .. و لنا في التاريخ عبرة و درس فقد انتصر (حنبعل) لحزمه و صرامته و انهزم ( سبيون ) لأنه لم يكن حازما ..و خلاصة كتاب الأمير يحدد مكيافللي الصفات التي ينبغي أن يتمتع بها الحاكم ليكون أهلا لهذا المنصب و هي أن يتمتع بقوة الأسد و مكر الثعلب و دهاء الذئب .


و هكــــــــــــــــــــــــذا فمن يملك القـــــــــــــــــــــــــوة يملــــــــــــــــــك الحق .


نقد و مناقشة ...


أن تكون الدولة قوية ذلك مما لا يختلف عليه اثنان لكن أن تتحول القوة إلى ذريعة للسيطرة و الظلم و التعسف فذلك يتناقض مع الحقوق الأساسية للإنسان و يحول المجتمع إلى ساحة للصراع و عدم الاستقرار و انتشار الفوضى و تكون الغلبة للأقوى و يفقد القانون معناه و يفقد المواطن ثقته في نظام الحكم و هو ما يعرض الدولة ذاتها إلى الانهيار و التاريخ خير شاهد على ذلك فكم من الدول حكمت بالحديد و النار و انتهت بما بدأت به ..مثل النازية و الفاشية و حكم العسكر في اليابان و قديما حكم الفراعنة و غيرهم .


الموقف الثاني .. الممارسة السياسية لا تستبعد الأخلاق ..


في المقابل هناك من يرى أن الممارسة السياسية قائمة على المعاملات الأخلاقية طالما أن الغاية من السياسة هي تحقيق العدالة الاجتماعية .. فقد ذهب جون جاك روسو إلى أن نشأة الدولة في الأساس قام على عقد اجتماعي يتنازل بموجبه الأفراد على بعض حقوقهم للدولة من أجل تنظيم حياتهم على أساس من العدل و المساواة . إن الواجب الأول لكل دولة هو السهر على إقرار الحقوق الأساسية لأفراد المجتمع و تمكينهم من تلك الحقوق و من ثم فضمان المصالح المشتركة لجميع أفراد المجتمع كفيل بتحقيق استقرار الدولة و حفظ النظام العام و إن استبعاد المعاملات الأخلاقية في الممارسة السياسية مآله السقوط و الانهيار .. و في هذا السياق يقول العلامة ابن خلدون ...( الابتعاد عن الفضائل سبب سقوط الدولة ..)


و يؤكد أرسطو على أن السياسة فـــرع من الأخــــلاق و أن وظيفة الدولـــة نشر الفضيلــــة و تعليـــــــــــــــم الأخلاق . و من هنا يتأكد المبدأ الأساس للممارسة السياسية و هو ألا سياسة من دو أخلاق ..و قد أشاد الماوردي في كتابه السياسة الشرعية بتلك العلاقة الضرورية التي تربط السياسة بالأخلاق و أن الحاكم يجب أن يتحلى بصفات تؤهله لتقلد المناصب العليا في الدولة و منها الصفات الأخلاقية كالصدق و الأمانة و غيرها .....و سمى السياسة بإدارة الدولة بالدين ..( سياسة الدنيا بالدين ) .


و ينظر كانط إلى الموضوع نظرة متميزة عندما يدعو صراحة إلى ضرورة معاملة الإنسان كغاية في ذاتها .. إن قيمة الإنسان في أي مجتمع هو الذي يضفي على ذلك المجتمع المصداقية و يرفع مكانته بين المجتمعات .. و في هذا السياق يقول كانط .(. يجب أن يحاط كل إنسان بالاحترام بوصفه غاية مطلقة بذاته ..).. و هذ النظرة لما يتطلع إليه كانط نابعة من رفض العنصرية و التمييز بين إنسان و آخر و اعتبار البعض مواطنين من درجات مختلفة .. هذا التمييز الذي ينمي و يغذي بذور الاضطرابات الاجتماعية و قيام الثورات الشعبية .. و رفضا للواقع المأساوي الذي عايشه كانط دعا إلى ضرورة قيام ...نظام دولي و عالمي جديد أساسه الديمقراطية و التسامح و العدل و المساواة ... و من ثم إنشاء هيئة دولية لنشر السلام و حل النزاعات ... و لا شك أن النزعات الاستعمارية هي نزعات استعلائية تقوم على أساس احتقار الشعوب و تدمير كرامتها و عدم الاعتراف بحقوقها في الحرية و الحياة ..


لقد قامت دولة الخلافة الراشدة على أساس من القيم الأخلاقية و احترام الإنسان مهما كان دينه و لونه و جنسه مكنها من أن تكون مضرب الأمثال للأخلاق في الممارسة السياسية .فالقوي في المجتمع ضعيف حتى ينتزع منه الحق و الضعيف قوي حي يؤخذ له الحق .. و هذه العلاقة تشكل بلا شك عنوانا للقيمة الإنسانية و مثالا لاحترام الإنسان في مجتمع تتعدد فيه الثقافات و الأعراق ..


نقد و مناقشة ...


إن استقراء التاريخ البعيد و القريب يجعلنا نقف على قواعد هامة في فهم طبيعة العلاقة بين السياسة و الأخلاق ، فالصراع بين الدول لا يكاد ينتهي و كلما دب الضعف في دولة عرضت نفسها لأطماع الطامعين فيها فاللين في كثير من المعاملات الدولية ليس خلقا مرغوبا فيه لأنه نقطة ضعف في نظر الغير.


الموقف التركيبي .. إن العلاقة بين الممارسة السياسية و الأخلاق ليست دائما على وتيرة واحدة فالدولة القوية و العادلة في آن واحد أكثر صمودا في مواجهة التحديات من الدولة التي اختل لديها ميزان العلاقة بين القوة و الأخلاق . فالسياسة لا تمارس دائما من منطلق القوة و الأخلاق لا تعني دائما الضعف .ومن غير المنطقي أن ننظر إلى القوة في مقابل الأخلاق فكلاهما يشكل بعدا مهما في مقومات الممارسة السياسية .


حل الإشكال ..

نصل في الختام إلى أن الفلاسفة تناولوا موضوع العلاقة بين السياسة و الأخلاق من منطلقات مذهبية طغت على نمط التحليل فتباينت المواقف و اختلفت الآراء و الحقيقة أن المنطق الواقعي و موضوعية التحليل تحيل إلى أن فلسفة السياسة و فلسفة الأخلاق يمكن أن يتقاسما علاقة التكامل بينهما و ليس التنافر ..فالسياسة و ممارساتها المتشعبة ليست في غنى عن الأخلاق لإضفاء الطابع الإنساني عليها و الأخلاق ليست قيما مثالية لا علاقة لها بالواقع الإنساني ، إن الدولة القوية هي أيضا دولة عادلة تحترم الإنسان و تقوم على
ردود الفعل:

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع