القائمة الرئيسية

الصفحات

جدليـــــــــــــــــــــــة العلاقة بين اللغة و الفكر


 العلاقة بين اللغة و الفكر 


هل تشكل اللغة عائقا أمام الفكـــــــــــــــــــــــر ؟؟؟



المقدمـة :


الإنسان في تفاعله مع العالم الخارجي و سعيه لتحقيق التكيف معه يستند إلى الكثير من الأليات و الأنشطة الفعالة منها اللغة و الفكــر .. و ارتباط المفهومين ببعضهما يجعل من الإنسان كائنا متميزا ، فهو في حاجة إلى ما يعبر عنه أي الفكر و ما يعبر بــه و هو اللغة ، ما يعني أن هناك علاقــــــة بين اللغة و الفكر . غير أن طبيعة هذه العلاقة جعل منها الفلاسفة و علماء اللغة قضية مثيرة للجدل ... باعتبار الفكر نشاط ذهني و اللغة ظاهرة اجتماعية أسس لمنطق الفصل بين اللغة و الفكر و اعتبار العلاقة بينهما انفصالية ... برأي الإتجاه الثنائي .. لكن بالنظر إلى أن الفكر يصعب إثبات وجوده إلا من خلال ألفاظ اللغة أسس لمنطق الجمع بينهما و اعتبار أحدهما مظهر للآخر برأي الاتجاه الأحادي .... فإذا أمكن تبرير الفصل بين اللغة و الفكر نظريا فهل القول بما يناقض ذلك له ما يبرره ؟


الموقف الأول ... يرى أنصار الاتجاه الثنائي أن هناك ما يبرر القول بأن اللغة و الفكر مفهومان متمايزان و أن العلاقة بينهما هي علاقة انفصال .. و أن الفكر يعبر عن ذاتية مستقلة عن اللغة بينما تعبر اللغة عن وضعية اجتماعية و من ثم فهما مختلفان .


إن الانفصال بين اللغة و الفكر يظهر على مستويين ، مستوى التباين الواضح بينهما و مستوى عجز اللغة عن التعبير . يمتاز الفكر بأنه تيار متدفق باستمرار من المعاني المبسوطة و الممتدة في حين تبدو اللغة محدودة لا تساير الفكر في حيويته و فاعليته و تواصله فهي محدودة العدد من حيث ألفاظها ، كما أن الفكر من الناحية العملية يسبق اللغة ما يدل على الانفصال بينهما فنحن في العادة نفكر قبل أن نتكلم لذلك قيل ( من المناسب جدا أن نفكر أولا قبل أي كلام )


من جهة أخرى يمتاز الفكر بأنه نشاط نفسي داخلي ذاتي و معنوي بينما تعبر اللغة عن طابعها الاجتماعي الحسي و من هنا يبدو الفرق بين المفهومين فقد ذهب برغسون إلى القول .. أعتقد أننا نملك أفكارا أكثر مما نملك ألفاظا ..و هو القول الذي يحيل إلى أن الفكر أوسع وأشمل نطاقا من اللغة ..و منه فإن هذا التباين الواضح يحيل إلى أن اللغة عاجزة عن التعبير عن الأفكار ( إن اللغة تعجز عن مسايرة ديمومة الفكر ) . و هذا القول إشارة واضحة إلى ان الفكر يمتاز بأنه ديمومة و استمرارية و اتصال في حركيته و فاعليته .


يؤمن أنصار هذا الاتجاه أن ( الألفاظ قبور المعاني ) و هي المقولة التي تلخص معاناة اللغة و هي تعبر عن الفكر حيث يبدو الفرق واضحا بين القدرة على التفكير و القدرة على التعبير .فكثيرا ما نجد صعوبة في اختيار الكلمات المناسبة للتعبير عن فرحتنا أو مشاعرنا و يكون البكاء بديلا للتعبير عن تلك المشاعر لأن ألفاظ اللغة أعجز من أن تحيط بها .. فكيف إذن لكلمات من ثلج أن تعبر عن مشاعر من نار .. إن ألفاظ اللغة إذا لم تقتل الفكرة فإنها تضيقها و تعيقها .... و في هذا السياق يقول الشاعر الفرنسي... بول فاليري ... أجمـــل المعــــاني تلك التـي لآ نستطـــع التعبيــــــر عنهــــــا .... فقد جاء في وصف الجنة ( فيها ما لا عين رأت ) و ذلك لأن ما فيها يفوق الوصف و لا توجد الكلمات التي يمكنها حمل تلك المعاني .. كما أننا يمكن أن نلاحظ مدى عجز اللغة عن التعبير عندما نحاول ترجمة أي نص إلى لغة أخرى فكثيرا ما يتم تحريف المعاني عن مقاصدها و هذا ما يعنيه القائل ( الترجمة خيانة ) .. و قد يلجأ البعض من الفنانين في مجال الرسم إلى التعبير عن أفكارهم و مشاعرهم و معاناتهم بلغة الرسم لأن الكلمات عاجزة عن التعبير و لذلك يقول المثل الصيني ( رب صورة أبلغ من ألف خطاب ) و منها أيضا لغة الموسيقى أو لغة الشعر و كلها تحرر صاحبها من عقدة العجز عن التعبير ..


نقد و مناقشة ... إن القول بأن اللغة تعجز عن التعبير عن الفكر فيه الكثير من المبالغة و التقليل من القيمة المعرفية للغة ذلك أن الفكر لا يمكن إثبات له وجود من غير إطاره اللغوي ، كما أن اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يعبر بها الفكر عن ذاته سواء كانت رموزا أو إشارات أو ألفاظ .من جهة أخرى عندما لا تكون الأفكار واضحة في الذهن فمن الطبيعي أن تعجز اللغة عن التعبير. .إن الطفل الذي يولد أصما تتعطل لديه ملكة التعبير كما تتعطل لديه ملكة التفكير ما يدل على أهمية اللغة بالنسبة للفكر


الموقف الثاني ..اللغة و الفكر وجهان لعملة واحـــدة .. الاتجاه الأحادي ..


في المقابل يرفض أنصار الاتجاه الأحادي أن تكون العلاقة بين اللغة و الفكر علاقة انفصال و في الوقت ذاته يؤكدون على أن العلاقة بينهما كالعلاقة بين الروح و الجسد .. فكما أن الجسد يفقد مبررات وجوده في غياب الروح و تصبح الروح وجودا بلا قيمة فكذلك اللغة و الفكر لا معنى لوجود أحدهما في غياب الآخر .. و هذه الصورة عن العلاقة بين اللغة و الفكر يجسدها قول ( لافيل ) ..* ليست اللغة ثوب الفكر فقط بل هي جسده ..* .


ـ إن الزعم بأن الفكر يملك أسبقية زمنية على اللغة زعم لا مبرر له من الناحية الواقعية لأننا في واقع الأمر عندما نفكر فنحن نفكر بواسطة اللغة كما هو الحال في حديث النفس الداخلي


( المونولوج) .. لذلك فاللغة في حقيقة الأمر ما هي إلا فكر منطوق و مسموع بينما الفكر ما هو إلا لغة صامتة ... و من ثم فلأسبقية هي أسبقية منطقية و ليست زمنية .


ـ كما أن تطور الفكر يكون دائما مصحوبا بتطور اللغة التي تعبر عنه و من ثم تصبح ألفاظ اللغة أدوات جديدة يستخدمها العقل أثناء تفكيره .. و هذا السياق البعض ( إن الفكر يصنع اللغة و هي تصنعه ) .. للإشارة تلعب اللغة دورا أساسيا في تمييز الأفكار بعضها عن بعض حيث هي في الواقع كتلة واحدة غير متمايزة . فالفصل بين فكرتين يلزم استخدام عبارتين مختلفتين و هكذا تلعب اللغة دورا محوريا في تفعيل الفكر و تقديمه بطريقة يسهل استيعابه من طرف الآخر ..و في هذا الصدد يقول أنصار هذا الاتجاه .....الألفاظ حصون المعاني .....


فإذا كانت وظيفة الحصن هي الحماية و الحفظ من المؤثرات الخارجية فكذلك تكون الألفاظ أدوات لحفظ المعاني من الضياع .. و من هنا يتأكد لدى أنصار الأطروحة أن الألفاظ هي قيود للمعاني و الأفكار ( العلم صيد و الكتابة قيد ) . و تؤكد الدراسات في علم النفس الطفل و بخاصة النمو اللغوي و الفكري أن الطفل يكتشف أفكاره من خلال العبارات التي يستخدمها فكلما زادت قدرته على التعبير زادت قدرته على التفكير ..و بذلك تتحدد مدى ارتباط اللغة بالفكر .. يقول ـ ز كي نجيب محمود ـ ما الفكرة سوى العبارة الدالة عليها ..


نقد و مناقشة ...


غير أن المعاينة الشخصية لطبيعة العلاقة بين اللغة و الفكر تحيل إلى أن اللغة تقف في كثير من الأحيان كعقبة أمام الفكر خاصة فيما يتعلق بعالم النفس حيث المشاعر و العواطف و الانفعالات التي لا تحيط بها الكلمات .. إن الكثير من لغات العالم اليوم انقرضت و أصبحت أثرا بعد عين لأنها لم تستطع مواكبة الفكر المبدع في عالم التقنية و الفن و غيرها .


الموقف التركيبي ...يمكننا من الناحية النظرية الفصل بين اللغة و الفكر غير أن القول بأن اللغة أداة عاجزة عن التعبير فيه مبالغة زائدة على الحد ذلك بأن المشكلة في واقع الأمر ليست مشكلة في اللغة ذاتها بل في الإنسان العاجز عن تطوير أدوات التعبير لتواكب التطور الفكري . كما أن القول بعلاقة الاتصال بين اللغة و الفكر تدحضه اندثار الكثير من اللغات اليوم ... و من الإنصاف الإشارة إلى أن اللغة و الفكر مهما كانت العلاقة بينهما يمثلان معا إطارا يتمايز من خلاله الإنسان عن غيره من الكائنات .. و هذا سر تعريف الإنسان بأنه كائن عاقل ناطق ..


حل الإشكال ...


إن العلاقة بين اللغة و الفكر هي في واقع الأمر علاقة تأثير و تأثر فلا الفكر يملك مبررات الاستقلالية التامة عن اللغة و لا اللغة قادرة على الحياة خارج حركية الفكر و حيويته ، فكلامها مظهر من مظاهر إنسانية الإنسان و تعبيرا عن إنتاجه الحضاري و من ثم لا يجب أن ننظر إلى أحدهما على أنه نقيض للآخر فالفكر في حاجة إلى لغة لإثبات ذاته و اللغة لا قيمة لها إذا لم تكن أداة أمينة للتعبير عن الفكر ....
ردود الفعل:

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع