القائمة الرئيسية

الصفحات

الآليـــــــــــــــــــــة و الغائيـــــــــــــــــــــــــــــة



الحتمية و الآلية و التفسير الغائـــي في البيولوجيــا



 هل التفسير الآلي للكائنات الحية يستبعد بالضرورة المنهج الغائي في دراستها ؟؟؟


 المقدمة و طرح الإشكال .


تهتم البيولوجيا بدراسة ظواهر المادة الحية (الكائنات الحية ). و بالنظر إلى الطبيعة المميزة لهذه الظواهر برزت مشكلة فلسفية ذات طابع منهجي ابستيمولوجي ترتبط بكيفية دراسة و تفسير هذه الظواهر ..من هذا المنطلق تباينت مواقف علماء البيولوجيا حول التفسير المنهجي المناسب لدراسة ظواهر المادة الحية ، بين الحتميين الذين يرون في التفسير الآلي الحتمي أسلوبا مثاليا لدراسة الظواهر الحية باعتبارها ظواهر مماثلة لظواهر المادة الجامدة ،، و بين من يعرفون بالغائيين الذين يؤثرون التفسير الغائي أسلوبا لدراسة الكائن الحي بالنظر إلى طبيعته الغائية المميزة ..و في ظل هذا التعارض بين الموقفين يبرز السؤال التالي ..


إذا كان التفسير الآلي للظواهر الحية يمكن تبريره علميا فهل يستبعد ذلك بالضرورة القول بالتفسير الغائي لها ؟


الموقف الأول .. التفسير الآلي الحتمي للكائن الحي ..



بالنظر إلى أن الكائن الحي يشبه في تكوينه و تفاعلاته الكيميائية ظواهر المادة الجامدة يرى فريق من علماء البيولوجيا ضرورة اعتماد التفسير الآلي الحتمي في دراسة ظواهر المادة الحية... و يعتمد المنهج الحتمي الآلي على أن جميع الظواهر بما في ذلك ظواهر المادة الحية تخضع إلى مبدأ الحتمية خضوعا مطلقا .. أي أن نفس الأسباب في الظروف و الشروط ذاتها تعطي دائما و بشكل حتمي النتائج ذاتها ..و منه فإن الحتمية مبدأ مطلق يمكن تعميمه على ظواهر المادة الحية ... هذه الأطروحة يؤكدها عالم الأحياء ..كلود برنارد ..حيث يقول ..


( يجب أن نقبل كبديهية تجريبية أن شروط وجود كل ظاهرة بالنسبة للكائنات الحية أو الأجسام الجامدة هي شروط محددة تحديدا مطلقا ..) . و هكذا حسب كلود برنار فإن المادة الجامدة و الحية تخضعان للحتمية ذاتها و من ثم يجب الأخذ بالتفسير الآلي الحتمي لفهم و تفسير هذه الظواهر .. و يستند أنصار هذا التوجه في أخدهم بالمنهج التجريبي القائم على فكرة الحتمية على نظرتهم إلى التماثل بين المادة الجامدة و المادة الحية من حيث المكونات الحيوية و التفاعلات الكيميائية .. حيث يرى عالما الأحياء .. دارون و لامارك .. أن الفرق الموجود بين المادة الحية و الجامدة ليس فرقا في النوع و إنما فرق في الدرجة فقط .. و هو ما يعني أن دراسة الكائن الحي يتطلب دقة أكثر .. و هي الفكرة التي أخذ بها كلود برنار حيث يقول ( المظاهر التي تتجلى لدى الأجسام الحية مثل المظاهر التي تتجلى لدى الأجسام الجامدة ، تخضع لحتمية ظاهرة ..) . فعملية الهضم مثلا ما هي إلا تفاعلات آلية تبدأ من عمل الأسنان و تنتهي بتحول الطعام إلى سائل قابل للامتصاص .. كما أن العناصر الضرورية المكونة للمادة الجامدة هي ذاتها الناصر الموجودة في المادة الحية على غرار الماء و الأكسيجين و الحديد و الكالسيوم و ثاني أوكسيد الكاربون ........ و غيرها . و من ثم فإن المنهج المناسب لدراسة و تفسير هذه الظواهر يجب أن يكون منهجا علميا و تفسيرا آليا حتميا .. و عليه يمكن الوقوف على العلاقة السببية بين وجود مادة الكلوروفيل و إنتاج مادة النشا حيث ( تصنع النباتات النشا في وجود الكلوروفيل ) ( وجود خلايا الدم بتركيز ما يقلل من احتمال غزو البكتيريا للأنسجة ).


و هكذا فإن اعتماد أسلوب التفسير الآلي الحتمي في دراسة المادة الحية هو التفسير الأمثل و المناسب لفهم هذه الظواهر ..


نقد و مناقشة ....



إن تفسير المادة الحية باعتماد الآلية و الحتمية هو محاولة غير مبررة علميا و هي محاولة للقفز على العوائق الابستيمولوجية التي تعترض الدراسة التجريبية للمادة الحية ، ذلك أن ظواهر المادة الحية تختلف من حيث طبيعتها عن ظواهر المادة الجامدة فهي تنمو، تتغير تتكاثر و تتطور فهي بذلك أشد تعقيدا و من ثم تحتاج لدراستها إلى منهج يناسب طبيعتها ، و إقحام التفسير الآلي الحتمي هو تجاوز لخصائص المادة الحية ..و بدلا من إخضاع الكائن الحي للمنهج التجريبي نخضع المنهج التجريبي للكائن الحي .


الموقف الثاني .. التفسير الغائي ..



في المقابل يرفض فريق آخر من العلماء التفسير الآلي الحتمي للمادة الحية من منطلق الطبيعة التي تميزها عن غيرها من ظواهر المادة الجامدة ..فالمادة الحية ذات طبيعة غــــــــائية بمعنى كل عضو وجد من أجل غاية محددة و له وظيفة و من مجموع الوظائف و تكاملها يضمن الكائن الحي تحقيق التوازن بغرض التكيف و حفظ البقاء ..و في هذا السياق يقول ... باسكال ..


( الكائن الحي مثل الآلة الحية من صنع الله ترتبط أفعالها ارتباطا حتميا فكل وظيفة حية ترتبط بوظيفة حية أخرى تنتهي إلى غاية ) فإذا أردنا أن نفسر علاقة الكلوروفيل بالنشا نقول ..وظيفة الكلوروفيل في النبات هي تصنيع النشا ....فهنا الإشارة إلى الوظيفة التي يقوم بها الكلوروفيل أي الغاية من وجوده في الكائن الحي .. كما أن الغاية من وجود خلايا الدم البيضاء حماية الجسم من العدوى .. و هكذا .. نربط العضو بالوظيفة التي وجد من أجلها ، فالعين وجدت من أجل الإبصار و المعدة وجدت من أجل الهضم و القلب وجد من أجل ضخ الدم و نقله إلى مختلف خلايا الجسم .... نفهم من ذلك أن أعضاء الكائن الحي ترتبط فيما بينها ارتباطا وظيفيا بحيث أن كل عضو يقوم بوظيفته في علاقته بالعضو الآخر و ليس مستقلا عنه ... و من هذا المنطلق يكون التفسير المناسب لطبيعة المادة الحية هو التفسير الغائي أي إرجاع كل عضو إلى غايته التي خلق من أجلها ... فالظاهر أن كل عضو يقوم بوظيفة محددة و كأنه وجد من أجلها ..و ينطبق هذا المعنى على كل الكائنات الحية فوجود أشواك تغطي جسم القنفذ من أجل حمايته من الاعتداءات الخارجية و وجود السائل بالعين من أجل حمايتها من التعفن و هكذا .


نقد و مناقشة ..



الواقع أن التفسير الغائي للظواهر الحية هو أقرب إلى التفسير الفلسفي منه إلى التفسير العلمي هو تفسير نظري أكثر مما هو عملي فهو أشبه بالمنطق الصوري لا يقدم للتحليل شيئا جديدا يكمن الاستفادة منه و هو التفسير الذي رفضه فرانسيس بيكون جملة و تفصيلا لأنه لا طائل من ورائه ...


الموقف التركيبي ..



إن الاختلاف الواضح في طبيعة المادة و المادة الجامدة يقود حتما إلى الاختلاف في التفسير و الدراسة و المنهج فالمادة الجامدة بما تمتاز به من خصائص يجعلها مناسبة للتفسير الآلي الحتمي بينما المادة الحية فهي ذات طبيعة غائية ، فكل عضو وجد من أجل غاية و له وظيفة و تكامل الوظائف يؤدي إلى تحقيق التوازن و هذا يساعد على استخدام التفسير الغائي لأنه يناسب طبيعة المادة الحية ..فكلاهما تفسيران متكاملان في فهم و تفسير ظواهر المادة الحية ..



حل الإشكـــال ...



نستنتج بعد ما سبق أن ظواهر المادة الحية ذات طبيعة معقدة مقارنة بظواهر المادة الجامدة و هذا ما أثار مشكلة منهج الدراسة و طريقة التفسير و بالنظر إلى طبيعتها المادية و مكوناتها الأساسية يمكن تفسيرها تفسيرا آليا حتميا و بالنظر إلى طبيعة الترابط الوظيفي الذي يميز اعضاءها فإن التفسير الغائي هو الأنسب لدراستها و تفسيرها فكلا التفسيرين يساهم في تقديم الإضافة لفهم و تفسير طبيع ة الكائن الحي ...


ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع