القائمة الرئيسية

الصفحات



هل يمكن إخضاع ظواهر المادة الحية إلى المنهج التجريبي ؟ 





المقدمة و طرح الإشكال ..


عرفت العلوم التجريبية و خاصة الفيزياء و الكيمياء نقلات نوعية أدت إلى تطور نوعي لتلك العلوم بفضل التطبيقات الصارمة للمنهج التجريبي الاستقرائي ، الأمر الذي أفضى إلى اعتبار التجربة العلمية معيارا لعلمية المعرفة العلمية . هذا التطور أغرى علماء البيولوجيا و استفز فضولهم حول إمكانية الاستعانة بالمنهج التجريبي في دراسة ظواهر المادة الحية أملا في تحقيق النتائج الدقيقة التي آلت إليها علوم المادة الجامدة ..غير أنهم سرعان ما اصطدموا بعوائق ابستيمولوجية شكلت عقبات حقيقة أمام التطبيق الصارم للتجربة على تلك الظواهر مما أثار إشكالية فلسفية نتج عنها تباين في الآراء و اختلاف في المواقف .. ارتباط الظواهر الحية بخصائص مختلفة عن المادة الجامدة أسس لمنطق استحالة التجريب على المادة الحية بنظر البعض ، لكن التطور الحاصل في مجال الدراسات البيولوجية و خاصة علوم الطب حفز البيولوجيين على المضي قدما في تجاوز العوائق و إرغام المادة الحية على الخضوع للمنهج العلمي بالمعايير التجريبية .. في ظل هذا العناد الفكري و الفلسفي نتســـــــــــــــــــــــــــــــــاءل .. إلى أي مدى يمكن لظواهر المادة الحية أن تكون موضوعا لدراسة علمية بالمعاييـــــــــــــــــــــــــــــــــر التجريبيـــــــــــــة ؟؟؟


الموقف الأول .. عــــوائق التجريب على المادة الحية


تمتاز ظواهر المادة الحية مقارنة بالمادة الجامدة بخصائص يجعلها عصية على إمكانية التجريب عليها بذات الطريقة التي تخضع لها ظواهر المادة الجامدة .. ما يعني أننا أمام عوائق إبستيمولوجية تحول دون التطبيق الصارم لخطوات المنهج التجريبي .. فقد ذهب .. فرانسوا جاكوب ..إلى أن التجريب على المادة الحيــة تعترضه الكثير من الصعوبات ..و في الواقع ترجع تلك الصعوبات إلى طبيعة المادة الحية ذاتها ، فهي من حيث طبيعتها ظواهر معقدة ، مترابطة الأعضاء ، تنمو و تتكاثر و تتطور و هو ما يحيل إلى أن نتائج الدراسة التجريبية عليها لن تكون بتلك الدقة المعروفة في العلوم التجريبية و خاصة الفيزياء و الكيمياء .


فالظاهرة الحية مترابطة الأجزاء ، أعضاؤها مرتبطة فيما بينها ترابطا وظيفيا لا يمكن عزل بعضها عن بعض بقصد دراستها لأن العزل يعني في النهاية توقف وظيفتها عن العمل و هو ما يشكل عائقا علميا أما أي محاولة للتجريب عليها . فيما المادة الجامدة تمتيز ببساطتها و أن فصل أي جزء منها لا يعرضها لأي خلل محتمل و لا يفقد وظيفته أو خصائصه . و هذه الخاصة في المادة الحية هي التي أشار إليها .. كوفــــي ..حين قال ( إن سائر أجزاء الجسم الحي مرتبطة فيما بينها فهي لا تستطيع الحركة إلا بقدر ما تتحرك كلها معا ) .


و في السياق ذاته يلاحظ أن تكرار التجربة على الكائن الحي يفضي إلى نتائج مختلفة ما يعني أن أي محاولة لصياغة القانون غير مجدية علما أن الوصول إلى قانون يفسر الظاهرة المدروسة يستوحيه العالم من النتائج المحققة بعد تكرار التجربة مرات عديدة ثم ملاحظة القاسم المشترك بين نتائج تلك التجارب و هو ما تفتقد إليه نتائج الدراسة و التجريب في علوم المادة الحية و هذا راجع إلى طبيعة المادة الحية التي تمتاز بالتغير و التحول و عدم الثبات ..فعند حقن الكائن الحي بأي مادة فإن مفعولها في الجسم يعطي نتائج مختلفة و تأثيرات متباينة بمعنى أن نفس الأسباب لا تعطي دائما نفس النتائج ..


و على مستوى تعميم النتائج يجد الباحث في البيولوجيا صعوبات كبيرة عند محاولة تعميم ما توصل إليه من نتائج على الكائنات الحية الأخرى رغم أنها تنتمي إلى نفس التصنيف ( الكائنات الحية ) .. حيث تشكل ظاهرة الفردانية في الكائن الحي ميزة أساسية تجعله فريدا من نوعه ، فكل كائن حي له خصائصه التي تميزه عن غيره رغم التشابه الكبير بين كائن حي و آخر فقد درس أحد المختصين عدد ا كبيرا من الأصداف و لم يقف على وجه الشبه بين تلك الأصداف ...ثم إن الكائنات الحية أنواع و أصناف فهل يمكن نقل نتائج الدراسة على الإنسان و تعميمها على الحيوان أو العكس ؟ ذلك ما يطرح الكثير من الإشكاليات المنهجية في علوم الكائنات الحية.


نقد و مناقشة ..


الملاحظة الأولية لطبيعة المادة الحية توحي بأنها على درجة كبيرة من التعقيد و التداخل لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه لا يمكن التجريب عليها فقد عرفت العلوم البيولوجية و خاصة في مجال الطب قفزات نوعية و تطورات مذهلة عززت الاعتقاد في قدرة هذه العلوم على تجاوز العوائق في مجال الاستعانة بالمنهج العلمي التجريبي .


الموقف الثاني .. تجاوز العوائق ..


في المقابل يرفض علماء البيولوجيا التسليم بمنطق أطروحة التجريبين و يصرون على أن المادة الحية يمكن أن تشكل موضوعا لدراسة علمية بالمعايير التجريبية و أن وجود العوائق المذكورة لا تبرر بحال استحالة التجريب عليها ..فقد ذهب .. كلود برنارد .. إلى التأكيد على أهمية الأخذ بالمنهج التجريبي في دراسة ظواهر المادة الحية ..( لا بد لعلم البيولوجيا أن يأخذ من العلوم الفيزيائية و الكيميائية المنهج التجريبي ....) و من هذا المنطلق يؤسس كلود برنار موقفه من التجربة في دراسة المادة الحية .. إن ظواهر المادة الحية مماثلة لظواهر المادة الجامدة ..( الحياة هي الموت ) .فكلاهما يملكان نفس المكونات و نفس التفاعلات الكيميائية و يخضان إلى نفس الشروط العلمية كالخضوع إلى حتمية واحدة ..يقول كلود برنارد ..هناك بديهية تجريبية ينبغي التسليم بها و هي أن شروط وجود أية ظاهرة يمكن تحديدها بطريقة قاطعة و هذا يسري على مجال الكائنات الحية مثلما يسري على الأجسام الجامدة ...


فالماء و الأكسجين و ثاني أوكسيد الكربون و المغنيسيوم و الكالسيوم و الحديد و غيرها من العناصر و هي كثيرة هي قاسم مشترك بين مكونات المادة الحية و المادة الجامدة ، كما أن التفاعلات التي تحدث في الطبيعة هي نفسها داخل الكائن الحي .. ما يعني كنتيجة إمكانية إخضاع الكائنات الحية إلى نفس منهج الدراسة المتبع في الأجسام الجامدة .


و قد قام كلود برنارد بتجارب كثيرة على حيوانات و منها تجربة الأرانب و التي أفضت في النهاية إلى نتائج أمكن وصفها بالدقيقة كما أفضت إلى تفسيرات علمية معتبرة .


و يمكن الإشارة إلى أن العلوم البيولوجية تمكنت من تطوير أدوات البحث و تقنياته بدرجة كبيرة مكنها من تذليل الكثير من الصعوبات و تجاوز العوائق في مجال الدراسات التجريبية على الكائنات الحية . و أصبح بالإمكان إخضاع الكائن الحي للتجريب عليه دونما حاجة إلى عزل أعضائه و دون تعريضه لأي خطر


محتمل ..كما مكن ذلك من إجراء عمليات جراحية شديدة الحساسية و كبيرة الدقة ناهيك عن عمليات زراعة الأعضاء و نقلها ..


و هكذا يفتخر علماء البيولوجيا بكونهم أزاحوا عن المنهج التجريبي التقليدي الكثير من العوائق التي تعترض الدراسة التجريبية على الكائنات الحية ....


...النقد و المناقشة ..


إذا أمكن القول أن العلوم البيولوجية عرفت تطورا نوعيا في مجال الدراسات التجريبية على المادة الحية و حققت الكثير من الإنجازات و هو ما لا يمكن إنكاره


إلا أنها لم تفلح في بلوغ النتائج الدقيقة التي عرفتها نتائج العلوم التجريبية الأخرى و خاصة منها الفيزياء و الكيمياء ..


الموقف التركيبي ..


بين نظرة التجريبيين و علماء البيولوجية حول تطبيقات المنهج التجريبي على ظواهر المادة الحية نوع من التباين و التقابل في المواقف و إذا كان لكل فريق مبرراته إلا أنه من الإنصاف القول أن بين المادة الحية و الجامدة اختلاف و تباين في طبيعة كل منهما و هو ما ينعكس بشكل واضح على طريقة الدراسة و إذا كان من المنطقي الإقرار بوجود عوائق أمام التطبيق الصارم للمنهج التجريبي على ظواهر المادة الحية إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة استحالة إخضاعها للتجربة فالتجربة في البيولوجية ممكنة و إن كانت بشروط مختلفة .


حـــــل الإشكال .


في الختام يجب الإشارة إلى أن مفهوم التجريب في العلم هو مفهوم مرن لا يجب اختزاله في معناه التقليدي المرتبط بالمادة الجامدة بل يتسع ليشمل الكثير من الظواهر و عليه يكمن القول أن التجربة هي معيار للمعرفة العلمية و في الوقت ذاته نِؤكد على أن لكل علم تجربته الخاصة به و منه يمكن إخضاع الكائن الحي للتجربة لكن بشرط مراعاة طبيعة و خصائص الكائنات الحية ...
ردود الفعل:

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع