القائمة الرئيسية

الصفحات

....هل الرياضيات صناعة عقلية أم تجريبية ؟؟؟ كل الشعب ...


أصـــل المفاهيم الرياضيـــة



هل المفاهيم الرياضيــة ترجع إلى العقل أم إلى التجربة ؟


     المقدمة ..


يعرف كل علم بموضوعه و منهجه ، و الرياضيات كعلم تهتم بدراسة المقادير الكمية القابلة للقياس بنوعيها المتصلة و المنفصلة ، و إذا كان موضوع الرياضيات لا يثير أي جدل بالنسبة لفلاسفة العلم و الابستيمولوجيا ، إلا أن النقطة التي شكلت محور جدل كبير بينهم تدور حول أصل و مصدر المفاهيم الرياضية .. كون هذه المفاهيم تمتاز بطابعها التجريدي أسس للقول بأنها مفاهيم عقلية في نشأتها عند البعض ... لكن من ناحية أخرى عجز العقل عن تكوين أي مفهوم رياضي بعيدا عن معطيات التجربة الحسية أسس للقول عند البعض الآخر بأن تلك المفاهيم انعكاس للتجربة الحسية ...في ظل هذا التقابل و التعارض الفلسفي بين الأطروحتين نتساءل ..هل المفاهيم الرياضية صناعـــــــــة عقليـــة بامتياز ...؟ أم أن هناك ما يبرر القول بالطابع الحسي لنشأتها ...؟


المفاهيـــم الرياضيــــــة صناعة عقلية ....


بالنسبة للاتجاه العقلي تعد الرياضيات صناعة عقلية بامتياز ، حيث يرى البعض أن أصل المفاهيم العقلية يرجع إلى ما يميز الإنسان عن غيره و هو العقل ، و هو الموقف الذي نلمسه عند أفلاطون و ديكارت و كانط ..


و من المسلمات الأساسية في مذهب العقليين القول بوجود أفكار و مبادئ سابقة على كل تجربة .. أي فطرية المعرفة .. فمبادئ العقل هي مبادئ عامة مطلقة و فطرية .. هذه المسلمة نلمسها أكثر عند أفلاطون الذي يرى أن ... المعرفة تذكر ... ما يدل على الطابع القبلي للمعرفة و منها الرياضيات .


في السياق ذاته يقول ديكارت ..( المفاهيم الرياضية أودعها الله في عقولنا بالفطرة .....) و هنا يشير ديكارت إلى أن المفاهيم الرياضية هي من جهة عقليــــة و من جهة أخرى فطريــــــــة ....


إن ما يميز المفاهيم الرياضية بشكل خاص هو طابعها التجريدي ، و القدرة على التجريد هي قدرة عقلية ذهنيــة . و المجرد هو كل مفهوم ذهني ليس له ما يقابله في الواقع الحسي .. أي ليس له وجود مشخص في الواقع ..فمثلا كلمة الحريــــــــة هي مفهوم في الذهن ليس لها وجود مشخص في الواقع ، و كذلك المفاهيم الرياضية .. ففكرة العدد ..5 ،6،7،10،15، 1000،،... هي مفاهيم محددة في الذهن و تصورات معلومة لكنها لا تملك مقابل لها كوجود مشخص في الواقع و هذا ما يؤكد الطابع العقلاني لها . فنحن عندما ننظر لأصابع اليد نرى في الواقع أصابع معينة لكننا لا نرى العدد (5) الذي هو مفهوم مجرد ، و كذلك بالنسبة للرموز الرياضية مثل الما لانهاية و الجذر التربيعي و الكسور هي رموز تعطي تصورات ذهنية عقلية ما عدا ذلك فهي من دون مقابل حسي مشخص .. من جهة أخرى نأخذ مثال النقطة عندما نعرفها نجد أنها بلا بعد من طول أو عرض أو ارتفاع أي أننا نحدسها ( الحدس ) بواسطة العقل أما ما نكتبه على الورق فهو مجرد رمز ليس إلا .


إن تعدد الأنساق الرياضية المعروفة في الرياضيات المعاصرة يؤكد الطابع العقلاني المجرد للمفاهيم الرياضية ، فالمكان الهندسي الذي يؤسس للرياضيات ما هو إلا تصور افتراضي و هذا ما يفسر اختلاف الرياضيين في تصورهم للمكان الهندسي .. و من ثم استخلاص نتائج ليس لها وجود حقيقي إلا ضمن السياق الهندسي المفترض .


كما أن فكرة الزمان و المكان هما بالنسبة إلى كانط مفهومان عقليان مجردان ..و هكذا فإن المفاهيم الرياضية بما تمتاز به من طابع تجريدي يجعلها مفاهيم عقلية بامتياز... .....


نقد و مناقشة ... يجب أن نفرق بين القدرة على التجريد و القدرة على أنشاء المفاهيم ، فلو تصورنا أعمى يملك عقلا لكنه لا يملك حاسة البصر هل يستطيع أن يتصور معنى الألوان و يميز بينها ؟ الواقع أن تكوين تصورات ذهنية في حاجة إلى معطيات أولية تقدمها التجربة الحسية . من ناحية أخرى هناك مبالغة في التأكيد على فطرية المعرفية إذا لو كانت المفاهيم الرياضية فطرية كما هو مفترض للزم القول بتساوي جميع الناس في العلم بها لكن الواقع بخلاف ذلك تماما ...


الموقف الثاني ... المفاهيم الرياضية انعكاس للتجربة الحسية ..


في المقابل يرفض أنصار النزعة التجريبية الحسية أن يكون العقل هو مصدر المفاهيم العقلية و يؤكدون في الوقت ذاته على دور التجربة الحسية في نشأتها .. و هو الرأي الذي نلمسه بصورة واضحة عند جون لوك و دافيد هيوم و غيرهما من أنصار هذا الاتجاه ...


بداية يرفض التجريبيون أن تكون المعرفة فطرية سابقة على كل تجربة و يسلمون بأن معارف الإنسان بعدية مكتسبة من التجربة الحسية .. فلا يوجد شيء في الذهن إلا و سبق وجوده في الحس .. كما يقول التجريبيون .. و أن العقل يولد صفحة بيضاء على حد قول .. جون لوك .


إن الأفكار الموجودة في الذهن هي انطباعات حسية ، فالمفاهيم الرياضية أوحت بها الطبيعة للعقل ، فمثلا مشاهدة القمر يوحي بفكرة الدائرة و مشاهدة الهلال توحي بمفهوم نصف الدائرة و الجبل يعطيك فكرة عن المثلث و الأصابع تحيل إلى مفهوم العدد و مشاهدة الأفق توحي بالخط المستقيم و هكــــــذا ..فالعقل هاجز عن إنشاء المفاهيم و تكوينها و يتلقى الانطباعات الحسية من التجربة .


من جهة أخرى فإن الطفل يتعايش مع المفاهيم الرياضية حسيا قبل أن يحيلها إلى العقل لتتحول إلى مفاهيم مجردة أي أنه ينتقل في اكتساب المعرفة الرياضية من التجريب إلى التجريد .. من هنا تبدو أهمية الوسائل التعليمية التي يستخدمها على غرار الخشيبات و القرصيات في بناء العمليات الحسابية ..


كما أن تاريخ الرياضيات يشير إلى أن الإنسان الأول كان يستخدم في عملياته الحسابية عدة وسائل حسية كالحصى و أصابع اليدين و غيرها ما يدل على الطابع العملي الحسي لنشأة الرياضيات . وقد بينت الدراسات التاريخية حول نشأة المفاهيم الرياضية أن ارتباط الإنسان الأول بالأرض في معاشه و تعامله مع مختلف أشكالها مهد لظهور الهندسة قبل الحساب و هو ما يؤكد على أن الرياضيات بدأت حسية تجريبية ...


نقد و مناقشة .... ليس هناك من شك من أن للتجربة دور ما في نشأة المفاهيم الرياضية لكن القول بأن التجربة الحسية هي مصدر كل معرفة ترد الإنسان قول ينطوي على الكثير من المبالغة و طبيعة المفاهيم الرياضية لا تبرر هذا الزعم كونها مفاهيم ذات طبيعة مجردة في حاجة دائما إلى عملية ذهنية لتجريدها .


الموقف التركيبي : من الواضح أن الأطروحتين على طرفي النقيض ، بين من يرى في العقل أساسا و حيدا و مصدرا لنشأة المفاهيم الرياضية و بين من يجعل من التجربة الحسية مصدرا لها و هو ما يحيل إلى النظرة الأحادية التي تنظر إلى المعرفة الإنسانية نظرة جزئية .... و الواقع أن هناك تكاملا وظيفيا بين العقل و التجربة الحسية في بناء أي معرفة و منها الرياضيات . و من الإجحاف حصرها في مصدر دون آخر ..فالعقل وحده عاجز عن تكوين المفاهيم الرياضية لآنه في حاجة إلى معطيات الحس و التجربة وحدها عاجزة عن ذلك لأنها في حاجة إلى عقلنة نتائجها و من هنا فالرياضيات مهما كانت عقلية فهي لا تخلو من أثر حسي في تكوينها و مهما كانت تجريبية فهي في حاجة ماسة إلى العقل لتجريدها ...


حل الإشكال .. نخلص في الأخير إلى أن التناقض في المواقف بين الاتجاه العقلي و الحسي التجريبي راجع إلى طغيان النزعة المذهبية وسيطرة النظرة الأحادية ، و من ثم فقد جانب كل منهما الصواب و النظرة الموضوعية و الواقعية . و الحقيقة أن المفاهيم الرياضية كما يتدخل العقل في نشأتها فهو في حاجة ماسة إلى معطيات التجربة الحسية و هذا ما يؤكد على علاقة التكامل الوظيفي بين العقل و التجربة في نشأة المفاهيم الرياضية .....
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع