القائمة الرئيسية

الصفحات

قيمة اللاشعور في الحياة النفسية .. جدلية (الشعب الأدبية)



الشعور و اللاشعور



                                     
تحضير بكالوريا 2021

         
                                                 اللاشعور بين الحقيقة العلمية و التأمل الفلسفي

هل يمثل اكتشاف اللشعور إضافة ذات قيمة علمية لفهم الحياة النفسية ؟ 

يمتاز الإنسان بقدرته على فهم و تفسير ما يحيط به ، كما يعي أسباب تصرفاته و دوافع سلوكه و كل ما يجري بداخله من أنشطة و أحوال نفسية كالفرح و الحزن و القلق و مختلف العمليات الذهنية و غيرها ...غير أنه أحيانا يقوم بتصرفات تبدو في ظاهرها غريبة و غير مبررة يعجز صاحبها عن معرفة أسبابها و دواعيها .و هي الأنشطة التي تعرف باللاشعور .و يعتبر اكتشاف اللاشعور من منظور مدرسة التحليل النفسي انتقال بعلم النفس من الدراسات الفلسفية إلى مصاف الدراسات العلمية التجريبية . لكن انتقاد البعض له و اعتباره مجرد تأملات فلسفية قلل من قيمته . فإذا كان اللاشعور موجودا كواقع في الحياة النفسية فهل هو من قبيل الحقائق العلمية التي يمكن التحقق منها تجريبيا ؟ أم هو مجرد افتراض و تأمل فلسفي لا يرقى إلى مستوى المعرفة العلمية الموضوعية ؟


يعتبر فرويد اللاشعور فرضية علمية تساعدنا على فهم و تفسير السلوكات التي تخفي وراءها دوافع لا نجد لها أسبابا معروفة في الحياة النفسية الواعية .فقد كان لظهور هذه المعطيات الجديدة في الحياة النفسية بمثابة نقطة التحول الجذري في النظرة إلى الحياة النفسية و بذلك يتبدد الاعتقاد الذي كان سائدا من أن الحياة النفسية تتماهي مع الحياة الشعورية و هو الاعتقاد الذي تربع على عرش الفلسفة التقليدية في علم النفس و ظل كذلك إلى زمن غير بعيد . و لقد وجد علماء النفس وراء الميول و الرغبات و الأحلام و حركات السلوك عوامل خفية تحرك آليات سلوكنا الظاهر .و لقد كانت البداية لحصول تلك القناعات ما أكده بعض أطباء الأعصاب و منهم فرويد أثناء علاج بعض الحالات من وجود علاقة سببية بين استرجاع بعض الذكريات و اختفاء أعراض مرتبطة ببعض الأمراض و عودة تلك الأعراض باختفاء تلك الذكريات .كما في حالة مرض الهستيريا .


و لا شك أن وجود تلك العلاقة أسس للقول بأننا أمام معطيات علمية تقوم على أساس العلاقة السببية بين متغيرين ـ عودة الذكريات و زوال الأعراض ـ إذن هناك أنشطة نفسية خفية لا يمكن فهمها بالشعور تمثل الجانب الخفي الأكبر من حياتنا النفسية و يمكن التعرف عليها من خلال تجلياتها التي تظهر في الهفوات و الأحلام و النسيان و مختلف الحيل النفسية التي يلجأ إليها الفرد لتبرير تلك الأنشطة الخفية .و يعتبر منهج التحليل النفسي من المناهج العلمية التي تستخدم في التعرف على هكذا أحوال نفسية و الذي يكون قد نقل الدراسة من الفلسفة إلى رحاب المعرفة العلمية . و أصبح المرضى النفسانيون يعالجون في عيادات الطب النفسي بدل أن يرمى بهم في عرض الشارع قبل اكتشاف اللاشعور .و هكذا فإن انتشار العيادات النفسية في أرجاء العالم هو أكبر إنجاز علمي لمدرسة التحليل النفسي .و بذلك انتقل منهج التحليل النفسي من مجرد طريقة علاج إلى منهج تفسير لمختلف الأنشطة النفسية ليس فقط بالنسبة للمرضى و لكن حتى للأسوياء كذلك . و قد ذهب فرويد إلى أن اكتشاف اللاشعور مكن علم النفس من أن يصبح فرعا من العلوم الطبيعية .


لا أحد ينكر أن اكتشاف اللاشعور يمثل انتقالا نوعيا في مجال الدراسات النفسية من حيث أنه ساهم في زيادة معرفتنا بعمق الحياة و النفسية و ما ترتب عنها من أساليب علاج مكنت من تخطي عقبة الكثير من الأمراض النفسية والعقد النفسية بعيدا عن التأويل الخرافي الساذج . غير أن هناك الكثير من الجوانب في نظرية اللاشعور بقيت رهن تأويلات فلسفية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع العلمي كتلك التفسيرات المتعلقة بعقدة أوديب و عقدة إليكترا و ما خالطها من أساطير لا تمت بصلة إلى المعرفة العلمية .


في المقابل ينظر خصوم التحليل النفسي إلى اللاشعور على أنه مجرد افتراض فلسفي أبعد ما يكون عن التفكير العلمي الموضوعي . فقد وصف خصوم اللاشعور ـ اللاشعور ـ بأنه أكبر أكذوبة كذبها فرويد على علم النفس و صدقها بعض المتوهمين .إن كثرة المنتقدين لفكرة اللاشعور يعني أن الفكرة في ذاتها لم تحقق الإجماع المعروف في النظريات العلمية.


فقد رفض الطبيب النمساوي ـ ستيكال ـ فكرة اللاشعور جملة و تفصيلا حين قال : لا أؤمن باللاشعور .. فقد قادته التجارب طيلة ثلاثين سنة إلى حقيقة أن المرضى على وعي و دراية بأمراضهم و إنما يتم إخفاؤها عمدا .و بذلك فلا وجود لأنشطة خفية تفلت من وعي الذات لها .و لعل من أكثر الانتقادات التي طالت فكرة اللاشعور تلك التي ارتبطت بإرجاع كل سلوك إنساني إلى دوافع جنسية (ليبيدو) بما في ذلك الأطفال ، و لا شك أن مثل هذا التفسير لسلوك الإنسان يصطدم حتما بالنظرة الإنسانية التي تسمو بطبيعتها عن تصوير الإنسان على أنه كتلة من الغرائز همها تحقيق الإشباع فحسب . و من الواضح أن فكرة اللاشعور لم تسلم حتى من أقرب المقربين لزعيم التحليل النفسي ـ فرويد ـ و هم تلامذته على رأسهم ـ آدلر و يونغ ـ فكل ما فسره فرويد برده إلى الغريزة الجنسية ـ ليبيدو ـ فسره آدلر برده إلى الشعور بالنقص أو التعويض حيث يقوم الفرد بتعويض شعوره بالنقص بما يخفي حقيقة ذلك كما في حالة ارتداء الحذاء ذي الكعب الطويل لتعويض الشعور بالنقص (قصر القامة) . كما فسره يونغ بالشعور بالتفوق أو العظمة . محطمين بذلك أسطورة الليبيدو كأساس لفكرة اللاشعور . و في السياق ذاته رفض سارتر أن يكون السلوك الإنساني مختفيا وراء اللاشعور فهو يجري دائما في مجال الشعور . و الواقع أن علم النفس التقليدي بزعامة ديكارت رفض أن تكون الحياة النفسية لاشعورية على اعتبار أن ذلك مناقض لطبيعتها الشعورية .و بذلك ابتعدت فكرة اللاشعور عن الموضوعية المطلوب توفرها في المعرفة العلمية و بقيت مجرد افتراض فلسفي أقرب إلى التأمل منه إلى الوقائع العلمية .


لكن على الرغم من موقف الخصوم إلا أنه من الإنصاف القول أن اكتشاف اللاشعور شكل منعرجا حاسما في تطور الدراسات العلمية و بالذات في علم النفس و ساهم رغم ذلك في حل الكثير من الإشكالات في ميدان الطب النفسي و التي كانت عصية على الحل قبل ذلك .


بين النظرة العلمية لفكرة اللاشعور و النظرة الفلسفية يمكن الإشارة بوضوح إلى أن التحليل النفسي كمنهج علاج أو كطريقة تفسير يشكل مدخلا مهما لدراسة علمية للحياة النفسية بعيدة عن تأملات الفلسفة و خيالات ما وراء الطبيعة لكنها في جانب التأويلات و التعميمات تبدو أقرب إلى الفرضيات الفلسفية منها إلى المعرفة العلمية .


على الرغم من التباين الظاهر بين الأطروحتين إلا أنه لا يمكن استبعاد إحداهما جملة و تفصيلا على حساب الأخرى كما لا يمكن رفضهما معا فإنكار اللاشعور مطلقا و اعتباره خرافة ليس له ما يبرره و القول بأنه حقيقة علمية مطلقة هو من باب الافتراء على العلم .




ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع