القائمة الرئيسية

الصفحات

الإدراك بين النشاط الذاتي و التأثير الموضوعي .. هل إدراكنا للعالم الخارجي مجرد نشاط ذاتي .؟

 الإحساس و لاإدراك

تحضير البكالوريا 2020 للشعب الأدبية
مقالة جدلية حول الإحساس و الإدراك


هل  إدراكـــــنا  للعاــــــلم  الخــــارجي  مجــــرد  نشـــاط   ذاتـــــــــــــــــــــــــــــــــــي    ؟   
    
ارتباط الإنسان بالعالم الخارجي و تفاعله معه و سعيه لتحقيق التكيف يجعل من العملية الإدراكية عملية ذات أبعاد مختلفة منها ما يتعلق بالذات و منها ما يرتبط بالعالم الخارجي أي الموضوع . و حول القيمة الفعلية لهذين العنصرين ـ الذات و الموضوع ـ تباينت آراء الفلاسفة و تضاربت مواقفهم ، كون الإدراك نشاط إنساني و وظيفة نفسية يِؤسس للقول بمركزية الذات في عملية الإدراك بنظر المدرسة الكلاسيكية.. لكن من ناحية أخرى بالرجوع إلى تأثر الذات بنظام الأشياء الخارجية و بنيتها يِؤسس للقول بأولوية الموضوع  على الذات ..بنظر الجشتالت ...


          في ظل هذا التعارض في المواقف نتساءل : هل إدراكنا للعالم الخارجي هو مجرد نشاط ذاتي ؟ أم هو انعكاس آلي لبنية الموضوع الخارجي ؟

         أنصار النزعة العقلية و منهم ديكارت يرون ان الإدراك مجرد نشاط ذاتي أساسه فاعلية الذات أي العقل.
فمعرفتنا بالعالم الخارجي و التمييز بين مختلف مواضيعه ما هي إلا أحكام عقلية يصدرها العقل .(الإدراك حكم عقلي ) و قد عبر على ذلك ديكارت صراحة ( إني أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني) . و ينطلق ديكارت لتبرير ذلك من مسلمة أن الفكر سابق على الوجود ، ففكرتي عن أي موضوع سابقة لوجوده الحسي الخارجي . ( التسليم بوجود أفكار فطرية سابقة على الوجود ) . إن الحواس ليست مؤهلة لنقل حقائق الأشياء و جوهرها فهي تنقل ما يبدو لها فقط في شكله الظاهري أما الصفات الجوهرية كالامتداد مثلا فهي قائمة في الذهن . إن الحواس خداعة كما يؤكد ديكارت . فالعين ترى الشمس متحركة رغم ثباتها و القمر صغيرا رغم حجمه الكبير و البحر أزرق رغم شفافيته و هكذا ....... و إلى الفكرة ذاتها ذهب آلان حين جعل مركز الإدراك فاعلية الذات ، و تتضح فكرته أكثر من خلال مشاهدة المكعب ، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ، بالرغم أننا لا نرى إلا ثلاثة أوجه وتسعة إضلاع ، في حين أن للمكعب ستة وجوه و اثني عشرة ضلعا ، إن إدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس ، بل لنشاط الذهن وأحكامه ، ودون  هذا الحكم العقلي لا يمكننا الوصول إلى معرفة المكعب من مجرد الإحساس . إن الشيء يعقل و لا يحس كما يقول آلان .
ويؤكد (باركلي) ، أن  الأعمى إذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الأشياء لاصقة بعينيه ويخطئ في تقدير المسافات والأبعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية أو خبرة مسبقة بالمسافات والأبعاد ..
و هو ما يؤكده (كانط)  من أن العين لا تنقل نتيجة الإحساس إلا بعدين من الأبعاد هما الطول والعرض عند رؤية صورة أو منظر مثلا ، ورغم ذلك ندرك بعدا ثالثا وهو العمق إدراكا عقليا ، فالعمق كبعد ليس معطى حسي بل حكما عقليا.
كما تتدخل في عملية الإدراك جملة من العوامل المتعلقة بالذات المٌدرِكة ؛ منها عامل التوقع ، و الاهتمام والرغبة والميل  و الحالة النفسية الراهنة ، فالموضوعات التي نهتم بها ونرغب فيها و نميل إليها يسهل علينا إدراكها أكثر من غيرها ... كما أن إدراك المتفائل يختلف عن إدراك المتشائم .و بذلك فإن النزعة العقلية في الإدراك تفصل بين عمليتي الإحساس و الإدراك على أساس طبيعة كل منهما و على أساس القيمة المعرفية . الإحساس بالنسبة لهم أدنى قيمة معرفية من الإدراك باعتباره يقدم معرفة بسيطة ظنية و غير يقينية و في حاجة دائما إلى صقل عقلي و تصويب ذهني .....

أنصار النزعة الحسية و منهم جون لوك ، هيوم ، و غيرهما يرون أن الإدراك نشاط ذاتي حسى باعتبار الحواس نشاط ذاتي . يرى أنصار هذا الاتجاه بأن التجربة الحسية هي المصدر الحقيقي لكل معرفة. من منطلق أن الطفل يولد صفحة بيضاء ثم يتدرج في عملية التحصيل و الاكتساب المعرفي على ضوء نشاطه الحسي .. فالإدراك في تصور الحسيين إنما يعود في الأساس الى الإحساس، فبالحس نتفاعل مع العالم الخارجي وبه نتمكن من تحصيل المعارف.
 
من أنصار هذا الاتجاه الحسي "دفيد هيوم" الذي يعتبر الإدراك مجرد انطباع المحسوسات نتيجة تأثر الحواس. و ينحصر دور العقل في تسجيل واستقبال الانطباعات الحسية التي تنقلها الحواس وما الأفكار إلا صور لهذه الانطباعات.حيث يؤكد التجريبيون على أن المعرفة تكون عن طريق الحواس ولا دخل للعقل فيها. يقول "جون لوك": "لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في الحس". ويقول أيضا: "لو سألت إنسانا متى بدأ يعرف لأجابك متى بدأ يحس"        أكد كذلك علم النفس أن الطفل لا يدرك العالم الخارجي إلا بعد أن نقربه له على شكل أشياء ملموسة ومحسوسة و هذا ما يفسر الأهمية التربوية و التعليمية للوسائل المادية الملموسة المستخدمة في العملية التعليمية .
نقد:   مما لا شك فيه أن عملية إدراك العالم الخارجي عملية إنسانية بالدرجة الأولى ما يجعل العوامل الذاتية في الإدراك مهمة و لا يمكن إغفالها لكن رغم ذلك فإن الذات الداركة  في حاجة ماسة إلى التفاعل مع معطيات العالم الخارجي ليكون للإدراك  معنى وواقعية .. كما أن الفصل بين  الإحساس و الإدراك ليس له ما يبرره من الناحية الواقعية و هي المغالطة التي وقعت فيها النزعة التقليدية ...

              عرض نقيض الأطروحة :
       في المقابل فقد استفاد علماء النفس المعاصرون من الاختلالات الواضحة في تفسير التقليديين لعملية الإدراك للتأكيد على أن إدراك الأشياء عملية موضوعية وليس وليد أحكام عقلية تصدرها الذات ، كما انه ليس مجوعة من الإحساسات  الجزئية المتناثرة ، فالعالم الخارجي منظم وفق عوامل موضوعية وقوانين معينة هي " قوانين الانتظام " . ذلك هو الموقف الذي تصدى للدفاع عنه و تبنيه المدرسة الألمانية الجشتالت  ، على رأسها العالمان ـ كوفكا ـ و ـ كوهلر ـ  و بذلك تكون الأولوية في الإدراك لفاعلية  العوامل الموضوعية ولا ضرورة  عندهم   للتمييز بين الإحساس والإدراك .وما يثبت ذلك ، أن الإدراك يمر بمراحل ثلاث : إدراك إجمالي ، إدراك تحليلي للعناصر الجزئية وإدراك تركيبي حيث يتم تجميع الأجزاء في وحدة منتظمة .وفي هذه العملية ، ندرك الشكل بأكمله ولا ندرك عناصره الجزئية ، فإذا شاهدنا مثلا الأمطار تسقط ، فنحن في هذه المشاهدة لا نجمع بذهننا الحركات الجزئية للقطرات الصغيرة التي تتألف منها الحركة الكلية ، بل إن الحركة الكلية هي التي تفرض نفسها علينا .
كما إن كل صيغة مدركة تمثل شكلا على أرضية ، فالنجوم مثلا تدرك على أرضية  أو خلفية هي ظلمة الليل ، كما أن الحركة تكون بارزة بالنسبة إلى شيء ثابت  و الإحساس  بالبرودة بالنسبة إلى الحرارة . و تكون الكتابة واضحة إذا كانت سوادا على بياض أو العكس . ثم إن الإدراك تتحكم فيه جملة من العوامل الموضوعية التي لا علاقة للذات بها ، حيث إننا ندرك الموضوعات المتشابهة في اللون أو الشكل أو الحجم ، لأنها تشكل في مجموعها " كلا " موحدا ، من ذلك مثلا انه يسهل علينا إدراك مجموعة من الجنود أو رجال الشرطة لتشابه الـزي ، أكثر من مجموعة من الرجال في السوق أو الملعب
وأيضا يسهل علينا إدراك الموضوعات المتقاربة في الزمان والمكان أكثر من الموضوعات المتباعدة ، فالنقاط المتقاربة تدرك على أنها خط مستقيم  ... و الأشياء المتشابهة  تدرك على أنها مجوعة واحدة .

النقد : ولكن الإلحاح على أهمية العوامل الموضوعية في الإدراك وإهمال العوامل الذاتية لاسيما دور العقل ، يجعل من الشخص المدرك آلة تصوير أو مجرد جهاز استقبال فقط مادامت الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه سواء أراد ذلك أو لم يرد ، مما يجعل منه في النهاية مجرد متلقي سلبي منفعل لا فاعل ، متأثر لا مؤثر.. و أية قيمة  تبقى للإدراك إذا جرد من أبرز خصائصه و هو العقل ؟ .
 
      التركيب : إن الإدراك من الوظائف الشديدة التعقيد ، وهو العملية التي تساهم فيها جملة من العوامل بعضها يعود إلى نشاط الذات وبعضها الآخر إلى بنية الموضوع ، على اعتبار أن هناك تفاعل حيوي بين الذات والموضوع ، فكل إدراك هو إدراك لموضوع ، على أن يكون لهذا الموضوع خصائص تساعد على إدراكه .

 حل المشكلة : وهكذا يتضح أن الإدراك لا يعود إلى فاعلية الذات فقط أو إلى بنية الموضوع فحسب ، من حيث انه لا وجود لإدراك بدون موضوع ندركه ، على  أن يكون هذا الموضوع منظم وفق عوامل معينة تسهل من عملية إدراكه وفهمه . لذلك يمكننا القول أن الإدراك يعود إلى تظافر جملة من العوامل سواء صدرت هذه العوامل عن الذات أو عن الموضوع .



ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع