القائمة الرئيسية

الصفحات

مقالة حول الشروط النفسية و الاجتماعية للإبداع ... هل يفسر الابداع برده إلى الشروط النفسية أم الاجتماعية ؟

الإبداع


مقالت فلسفية هادفة
تحضير البكالوريا الجزائر 2020


هل يفسر الابداع برده إلى الشروط النفسية أم الاجتماعية ؟


يمتاز الإنسان بقدرته على تجاوز أبعاد الماضي و الحاضر إلى المستقبل ، و لعل قدرته على التخيل جعلته يبدع أشياء على غير مثال سابق لها في الواقع . و الإبداع في أصالته خاصية إنسانية محضة و هو قدرة على إنشاء صور جديدة لا معروفة و لا مألوفة . و لما كان المبدعون فئــة قليلة في كل زمان و مكان حصلت قناعة لدى البعض من المفكرين أن الإبداع ظاهرة فردية ذاتية ترجع إلى ما يتمتع به الفرد من مقومات و قدرات نفسية خاصـــة ، غير أن انتشار الإبداع و اتساع نطاقه في بعض المجتمعات دون غيرها أسس لتفسير الإبداع برده إلى الشروط الاجتماعية .فهــــــــــل الإبداع تعبيــــــر عن قدرة الفرد الذاتية أم هو استجابة لحاجة المجتمع على أساس أن الحاجة أم الاختــــراع ؟


الموقف الأول : يمتاز بعض الأفراد دون غيرهم بقدرات عقلية و نفسية خاصة تؤهلهم للقيام بأعمال غير عاديــة في ميادين علمية و فنية و فلسفية و سياسية متنوعة و هؤلاء هم المبدعون ، و هم فئة قليلة في المجتمع على مر العصور . و الإبداع بهذا المعنى ليس ظاهرة عامة في المجتمع بل هو ظاهرة خاصــة تتوفر لدى أفراد معينين دون غيرهم . و قد دلت تجارب هؤلاء الأفراد أنهم يملكون قدرات فائقة للتعبير عن أشياء عادية بأساليب غير عادية . فالذين كانوا وراء الأحداث العظيمة في تاريخ الفكر و الحضارة يمتازون بخصائص نفسية و قدرات عقلية لم تكن متاحة لغيرهم . فالإبداع كما يرى البعض كشـــف يطالع النفــس فجأة و يثير فيها حالة انفعالية و فكرية معينة . و قد حاول بعض الفلاسفة و العلماء فهم و تفسير طبيعة السلوك المبدع عند هؤلاء المبدعين ، فقد ذهب فـــرويد إلى أن العمل المبدع في مجال الفن هو تعبير عما يعانيه المبدع من كبت تجاه قضايا شكلت محورا مهما في حياته . بمعنى أن الإبداع تعبير عن فاعلية اللاشعور و عن الرغبات المكبوتة . فمعاناة الشاعرة الخنساء وانطباع شخصيتها بطابع الحزن الذي سيطر عليها جراء فراق أخيها فجر لديها كوامن الشجن بشعر غاية في الإبداع . و هكذا فإن عملية الإبداع تعود إلى جذور نفسية عميقة كثيرا ما تكون مصحوبة بمظاهر انفعاليــــة حــــادة .و قد ذهب برغســــــــــون إلى أن العمل المبدع تتحكم فيه الشــــروط النفسية منها الحالة الانفعالية للمبدع و قوة حماســـه حيث يقول في هذا الصدد ( إن العلماء الذين يتخيلون الفروض لا يبدعونها في حالة جمود الدم إنما يبدعون في جو حماســـي تتلاطم فيــه الأفكار) . و قد أشار العالم الفرنسي ــ بوانكاري ــ إلى ذلك حين قال : " الحظ يحالف النفس المهيأة " . إن المجتمع في غالب الأحيان يقف حجر عثرة أمام المبدعين لذلك يرى ــ بيار جانيه ــ أن إصرار المبدعين و المخترعين على مواصلة أعمالهم رغم معارضة الجماعة لهم دليل على أن الإبداع يرجع إلى الحالة النفسية التي يعيشها المخترع ... و في ذات السياق يؤكد ريبو على أهمية الجانب الانفعالي المصاحب للإبداع حيث يقول : إن الجانب الانفعالي هو الخميرة التي لا يكون الإبداع إلا بها .....


و لما كان الإبداع عملية تركيب للصور تركيبا حرا كان في حاجة إلى قدرة فائقة على التخيل من هنا يلعب التخيل المبدع دورا فاعلا في حدوث عملية الإبداع فالقدرة على الإبداع هي القدرة على التخيل . و ما التكنولوجيا اليوم إلا مظهر من مظاهر التركيب الابداعي . و تشكل القدرة على الملاحظة و التركيز و الانتباه و حدة الذكاء كلها عوامل مساعدة لنشأة الإبداع . فقد وُصف عالم الفيزياء ـ آمبير ـ بمدى تركيز ذهنه في مثل هذه الحالات . إن المبدع شخص مُلهم فكثيرا ما يتوصل إلى حلول لطالما بذل فيها جهدا و فجأة يلوح له الحل كما وقع مع أرخميدس و ابن سيناء و غيرهما كثير .


لا شك أن العوامل النفسية و القدرات الذاتية شروط أساسية لعملية الإبداع لأن فاقد الشيء لا يعطيه غير أن هذه الشروط بمعزل عن الوسط الاجتماعي يجعل منها عديمة الجدوى . إن وجود الشروط الاجتماعية و الثقافية ضرورية لعملية الإبداع و ما هجرة الأدمغة إلى الدول الكبرى إلا دليل على أن الشروط النفسية لا تكفـــــي .


الموقف الثاني : يرى علماء الاجتماع و على رأسهم ــ دوركايم ــ أن الإبداع في مختلف مجالاته العلمية و التقنية و السياسية و الفلسفية يرجع إلى شروط موضوعية اجتماعية يتيحها المجتمع للمبدعين . إن المبدع يعكس صورة المجتمع الذي هو جزء منه . يرى ــ بيكــار ــ أن الإبداع لا يحدث في المجتمع إلا إذا تهيأت الظروف العلمية و التي يسميها ــ حالة العلم ــ أي أن المبدع لا ينطلق في عمله المبدع من فراغ بل يرتكز على أسس و منطلقات يكون المجتمع قد هيأها له مسبقا . و يعتبر الإطار الثقافي و العلمي و التنشئة الاجتماعية و الظروف الخاصة التي يمر بها المجتمع مناخا خصبا لحدوث الإبداع . و في هذا الصدد يقول ــ كـــارل ماركــــس ــ الحاجــــة أم الاختراع ..فعندما كانت الحاجة ملحة للدفاع ضد أي عدوان أبدع من أبدع الأسلحة المتطورة ، و هو الدافع نفسه الذي ولد السباق نحو التسلح بعد الحرب العالمية الثانية .فقد كانت فرنسا تستورد مادة البارود من الهند و بعد قطع العلاقات بين البلدين اضطر العلماء للبحث عن بديل تحت ضغط الحاجة لهذه المادة الحيوية في الحروب . و لقد استطاعت اليابان نتيجة الحاجة إلى مواجهة ظاهرة الزلازل التي تشتهر بها الجزر اليابانية إلى ابتكار أساليب مناسبة للتعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة على حياة البشر .إن المبدع يتأثر بحاجات مجتمعه و مشاكله فيستجيب لها و يتفاعل معها فكل إبداع يشهد على روح العصر و حاجته . يقول باستور :..... إن الأفكار الخصبـــة في غالب الأحيـــــان هــــي بنات الحاجة .. فلولا التقدم الذي عرفته المجتمعات الغربية ما شهدنا على التطور الذي عرفته الرياضيات على يد لوباتشيفسكي و ريمان و غيرهما . و لا شك أن للاستقرار السياسي و الحرية العامة و الفردية التي يتيحها المجتمع دور رئيس في تحقيق عمليات الإبداع و الواقع كما هو الآن في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص خير دليل على أن المبدع ابن بيــــــئتـــــــــه ..........


لا أحد ينكر ما للشروط الاجتماعية من أهمية في حدوث عملية الإبداع لكن القول بأن الإبداع نتيجة حتمية للظروف الاجتماعية قول يتعارض مع قدرة الأفراد على الإبداع و المبادرات الخاصة ، فإذا نحن استقرأنا التاريخ اتضح لنا كم من الأعمال الإبداعية وراءها أشخاص عاشوا في ظروف اجتماعية لا تسمح بظهور المبدعين كالعصر الذي عاشه ابن خلدون و من قبله قاليلي ففاقد الشيء لا يعطيـــــــــــــــه ....


الموقف التركيبي :و عليه فإن ظاهرة الإبداع كما هي عند آخرين تتفاعل في حدوثها العوامل النفسية و العوامل الاجتماعية معا . فالبذرة التي تحمل جينات جيدة تحتاج إلى تربة خصبة لكي تثمر و هكذا فإن الخصائص الإبداعية للفرد لا تنمو إلا في ظروف اجتماعيــــــة مناسبة و هذا ما يفسر اتساع رقعة المبدعين و العمليات الإبداعية في بلدان بعينها لأنها أوجدت الفرد المبدع و البيئة المساعدة على الإبداع .و قد عبر ــ غاستون بوتول ـ عن هذا المعنى تعبيرا رائعا : لا تفكير بدون ذات مفكرة و لا اختراع بدون مخترع. فعوامل الاختراع يجب أن توجد كاملـــة في وظائف الفرد النفسانية التي لا يمكن تصورها بدون الحياة الاجتماعية التي تعمل على التعبير عنها


حل الإشكال : و هكذا فإن موضوع الإبداع شكل كما رأينا موضوعا فلسفيا تضاربت في محاولة تفسير شروطه الآراء و المذاهب و مهما اختلفت في تفسيره النظريات و الآراء فإن النظرة الموضوعية للإبداع تقتضي القول أن ظاهرة الإبداع ظاهرة معقدة تتداخل في تكوينها و بنائها عوامل متعددة ــ نفسية و اجتماعية ــ تشكل في جوهرها منطلقا للإبداع و منه نستنتج أن الإبداع نتاج تفاعل بين العوامل النفسية و العوامل الاجتماعية على حد ســـــواء ....


الاستاذ شنيق







ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع