القائمة الرئيسية

الصفحات

العادة و أثرها ... هل تؤثر العادة في السلوك تأثيرا سلبيا أم إيجابيا ؟


  أثر العادة في السلوك    

تحضير البكالوريا 2020 أداب و فلسفة
أداب و فلسفة



يعتمد الانسان في تحقيق التكيف مع الواقع على مجموعة من الاليات منها العادة ، وهي قدرة مكتسبة بالتكرار للقيام بعمل ما بطريقة آلية .و بالنظر إلى أن الآلية التي تميز العادة تساعد على القيام بالعمل بسهولة ويسر ظن البعض أن العادة تؤدي وظيفة إيجابية في السلوك ، غير أن هذه الآلية من جهة أخرى تجعل العمل رتيبا ونمطيا ما يعني عند البعض الآخر أن العادة تؤثر في السلوك تأثيرا سلبيا . و منه هل العادة بما تتميز به من آلية يجعل منها سلوكا سلبيا ؟


تشكل العادة عند بعض المفكرين أداة فعالة في تحقيق التكيف مع الواقع . حيث ينظر هؤلاء إلى الآلية التي تميز العادة على أنها ميزة إيجابية من حيث أنها تمكن الإنسان من مواجهة متطلبات الحياة بطريقة مرنة و سهلة .ذلك أن السلوك التعودي يساعد على إنجاز العمل في وقت قياسي مقارنة بغيره من الأعمال التي تفتقد إلى الخبرة الكافية .إن السلوك التعودي رد فعل آلي يشبه الغريزة في طبيعتها الآلية و هو ما جعل (أرسطو) يصف العادة بأنها "طبيعة ثانية " ... و من الواضح أن التعود على القيام بالعمل يساعد على الاقتصاد في الجهد المبذول لإنجاز ذلك العمل ، فالوقت و الجهد متلازمان . فكلما توفرت الخبرة المطلوبة لإنجاز أي عمل أصبح صاحبه أكثر تحكما في الجهد المبذول و الوقت اللازم لذلك عكس الذي يفتقد إلى المهارة حيث يبقى حبيسا لسلطة الوقت و الجهد معا .و في هذا السياق يقول * مودلســـي *: (لولا العادة لاستغرقنا وقتا طويلا في القيام بأعمال تافهة ) . من جهة أخرى إن نجاح الإنسان في حياته المهنية يرتبط أكثر بالخبرة المكتسبة مع الوقت لذلك فإن العادة تمكن الفرد من إتقان عمله و القيام به بدقة متناهية . و هذا ما يفسر اشتراط أرباب العمل للخبرة اللازمة عند أي اختبار مهني . إن العادة أداة في خدمة التكيف و لو أمعنا النظر في النمو اللغوي و الجسمي و الاجتماعي للطفل لأدركنا أن ذلك لا يتحقق إلا بالتعود و الممارسة .إن تأثير العادة في السلوك لا يتوقف على مجرد الاختصار في الوقت و الجهد و اتقان العمل فحسب بل يتعدى ذلك إلى تحرر الفرد من الخوف و التردد و العشوائية و كل ذلك في خدمة التكيف مع الواقع .من جهة أخرى تعمل العادة على منح الجسم السيولة و الرشاقة كما هو واضح من خلال رياضات كمال الأجسام كرياضة الجمباز . يقول آلان : العادة تمنح الجسم الرشاقة السيولة .....:


غير أنه بالنظر إلى الآلية التي تميز العادة يتحول السلوك المكتسب بالتكرار إلى سلوك نمطي رتيب ثابت يقتل في الإنسان أهم خصائصه من حرية و إرادة و فاعلية ، إن العادة تجرد الإنسان من إنسانيته ....


في المقابل هناك من يرى أن العادة تؤدي وظيفة سلبية في السلوك من حيث أنها تطبع تصرفات الإنسان بطابع الرتابة و تجرده من إنسانيته .فالآلية التي تميز العادة يجعل منها سلوكا نمطيا ثابتا يشبه إلى حد بعيد السلوك الغريزي . و قد أشار - برودوم – إلى أن جميع الذين تسيطر عليهم العادة يصبحون بوجوههم بشرا و بحركاتهم آلات ..... إن السلوك الآلي يشبه في طبيعته عمل الآلة ، سلوك مبرمج ، منتظم الحركات خال من كل وعي أو إبداع أو التكيف مع المواقف الجديدة . إنه سلوك نمطي على وتيرة واحدة لا تركيز فيه و لا انتباه و لا إرادة . فهناك بعض العمال يقومون بمجموعة من الحركات الثابتة طيلة مدة تواجدهم بمقر عملهم إلى درجة يتجردون فيها من كل مشاعر أو عواطف إنسانية و يتحولون إلى مجرد آلات تمارس عملها برتابة وانتظام . إن اقتران العادة بالرتابة و الروتين يبعث على الشعور بالممل والسآمة و اللامبالاة .لقد ذكر عالم النفس النمساوي دييل كارنيجي في كتابه ** دع القلق و ابدأ الحياة ** ضرورة تجديد الحياة لتجاوز الشعور بالملل . أما على المستوى النفسي فإن العادة تشل النشاط الذهني و تبقيه حبيس الفكر الساكن الذي يقاوم كل ما هو جديد .حيث تقتل العادة في الفكر قدرته على التحليل و تمنعه من المبادرة و تشل فيه النزوع إلى الإبداع .لقد وجد العالم ** قاليلي** مقاومة عنيفة من طرف المجتمع عندما حاول إقناعهم بفكرته الجديدة عن مركز العالم وقد اعتاد المجتمع على أن الأرض ثابتة والشمس متحركة . إن الحرية و الإرادة جوهر كينونة الإنسان وكلما سيطرت العادة و استحكمت في السلوك فقد الإنسان إرادة القرار وحرية الاختيار . وهو ما كان يعنيه كانط بقوله : كلما زادت عادات الفرد أصبح أقل حرية واستقلالية ...... فإذا تجرد الفرد من حريته و إرادته يكون قد تجرد من إنسانيته . وهكذا فإن العادة تعيق التكيف وتحول دون التواصل الإيجابي مع متطلبات الحياة ، فقد ذهب ـ أوجست كونت ـ إلى اعتبار العادة جــــــــــمود ، وذلك بالنظر إلى أنها تؤدي وظيفة سلبية من حيث أنها تعيق الفكر و تقسي القلي و تبلد الحس ، فقد يمارس الطبيب الجراح مهنته دون أدنى مشاعر إنسانية وقد يرتكب المجرم جريمته بدم بارد لأنه اعتاد على تلك الممارسة . و من هنا نجد أن جون جاك روسو يرفض أي سلوك قائم على العادة لذلك ينصح أن أفضل عادة يتعلمها الفرد ألا يتعلم أي عادة .


غير أن هذه النظرة و إن كانت في بعض جوانبها محقة إلا أنها بالغت في نظرتها التشاؤمية للعادة ، إن العادة ليست كلها سلبيات فهي في بعض الجوانب الأخرى تحقق التكيف . فالطفل لكي يكسب مهارة المشي يحتاج إلى التعود على المشي حتى يتمكن من الحفاظ على توازنه .و لولا العادة ما تمكن من ذلك .


لا شك إذن أن الموقفين السابقين و إن كانا متعارضين إلا أنهما ليسا متناقضين وهو ما يدعو إلى محاولة التوفيق بينهما . إن القول بأن العادة في خدمة التكيف دائما قول تناقضه معطيات الواقع ذلك أن المواقف التي لم يألفها الفرد لا تستطيع العادة تجاوزها كما أن القول بأن العادة ميل أعمى يعبر على سوء التكيف يجعلنا في غنى عن مقوم مهم من مقومات الطبيعة الانسانية . إنه مهما كانت العادة ذات تأثير إيجابي في السلوك فهي لا تخلو من سلبيات ومهما كانت سلبية فهي لا تخلو من إيجابيات .


نستنتج في الأخير أن العادة لا يجب أن ننظر إليها من زاوية التأثير الإيجابي أو السلبي للحكم عليها بأنها أداة في خدمة التكيف أو تعيق التكيف لأن المشكلة في النهاية لا تكمن في العادة في حد ذاتها بل تكمن في كيفية استخدامنا لها .إنها سيف ذو حدين يستخدم بحسب الغاية ولذلك يقول أحد الفلاسفة إن العادة قضية حياة أو موت بحسب استخدام الإنسان لها .
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع