القائمة الرئيسية

الصفحات

أساس الحياة النفسية .. هل حياتنا النفسية تتأسس على الشعور كمبدأ وحيد ؟ هل هناك ما يبرر التسليم بوجود أساس لاشعوري للحياة النفسية ؟



    أساس الحياة النفسيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة  


تحضير البكالوريا للشعب الأدبية
مقالا فلسفية هادفة



الحياة النفسية عند الإنسان هي مجموع العواطف و الانفعالات و المشاعر و مختلف العمليات الذهنية التي يحياها و يعيشها .. و التي تؤثر و تتحكم في سلوكه بطريقة أو بأخرى .. و لما كان الإنسان كائنا عاقلا واعيا حصلت قناعة عند بعض الفلاسفة و علماء النفس خاصة أن الشعور أو وعي الإنسان لأحواله النفسية المختلفة يشكل أساسا وحيدا للحيـــاة النفسية و مبدأ لها ..بنظر المدرسة التقليدية في علم النفس ... لكن عجز الإنسان أحيانا عن فهم أسباب و دوافع بعض تصرفاته الغريبة عزز الاعتقاد في فرضية اللاشعور في الحياة النفسية عند أنصار مدرسة التحليل النفسي ... ما يجعلنا أمام مشكلة فلسفية تدفعنا حتما إلى التساؤل : إذا كان الإنسان كائنا عاقلا فهل ذلك يبرر القول بأن الوعي أو الشعور يشكل مجمل الحياة النفسية للإنسان ؟ و هل القول بوجود حالات نفسية لاشعورية يتناقض بالضرورة مع الحياة النفسية الواعية ؟


الموقف الأول : الشعور ( الوعي) كمبدأ وحيد للحياة النفسية


الإنسان كائن عاقل و هذا يستلزم أن يكون مدركا لما يحيط به واعيا لما يجري بداخله من أحوال نفسية كالفرح و الحزن و الخوف و القلق و غيرها . أي أن تعرف الإنسان على أحواله النفسية تلك يتم من خلال الشعور بها باعتبار الشعور معرفة مباشرة ، فيتعرف على الخوف من خلال الشعور بالخوف و على الفرح من خلال الشعور بالفرح و هكذا ... فإن كل حالة نفسية تقابلها حالة شعورية و من ثم هناك تطابق بين النفس و الشعور . ذلك هو الموقف الفلسفي و منطق الأطروحة التي يتبناها أنصار المدرسة التقليدية في علم النفس و على رأسهم برغسون، ديكارت و آلان ... إن منطق هذه الأطروحة يقوم على أساس أن الشعور هو المبدأ الوحيد للحياة النفسية و أنه هو السيد في بيته ، فيكفي أن يحلل الإنسان شعوره ليتعرف بشكل واضح على كل ما يحدث في ذاته من أحوال نفسية و كل ما يقوم به من أفعال و تصرفات . يقول ديكارت ( الحياة النفسية و الشعور مترادفان ) . ويصف برغسون الشعور بأنه ديمومة أي أن حياة الإنسان دائمة الشعور و لا تخلو فترة منها من الشعور (إن الشعور دائم بدوام حياة الإنسان ولا توجد فترات متقطعة في حياته) .


إن حياة الإنسان عند ديكارت نوعان حياة نفسية و هذه كلها شعورية و حياة فيزيولوجية و هذه لاشعورية ..في هذا السياق يقول ديكارت :" لا توجد حياة نفسية خارج الروح إلا الحياة الفيزيولوجة ..." و من هنا يتبين المطابقة بين النفس و الشعور و أن كل ما هو نفسي شعوري و كل ما هو شعوري نفسي ... أي أن النفس مرادفة للشعور . هذا من جهة ، و من جهة أخرى نفي لفكرة اللاشعور في الحياة النفسية .. إن من خصائص النفس أنها تشعر و من التناقض القول بأنها تشعر و في ذات الوقت لا تشعر ، إذ لا يمكن الجمع بين المتناقضين ، نفس لا تشعر و عقل لا يعقل.. يقول ديكارت مؤكدا على هذا المعنى : ( إن النفس لا تنقطع عن التفكير إلا إذا تلاشى وجودها ...) . إن اللاشعور عند ديكارت ليس نفسيا بل يوجد خارج النفس في بعض الأنشطة الفيزيولوجية التي تحدث دون وعي مثل الدورة الدموية و تكاثر الخلايا .و عليه يقول ديكارت :( النفس جوهر ميتافيزيقي بسيط يتكون من الشعور فقط ). و يعتبر الفكر عند ديكارت أهم مظهر من مظاهر الشعور فعندما يقول ديكارت ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) فهو يقصد أن الفكر وعي و الوعي شعور ، فما أشعر به فهو موجود و ما لا أشعر به فهو غير موجود ... و قد ذهب ـ مين دو بيران ـ مذهبا مماثلا لما ذهب إليه ـ ديكارت ـ فهو يرى أن: ( علم النفس هو وصف و تفسير للأحوال الشعورية ) و من ثم فإن الشعور موجود لأنه قابل للملاحظة عكس اللاشعور فهو غير قابل للملاحظة و بالتالي فهو غير موجود . و قد عزز الفيلسوف ـ آلان ـ هذا التوجه حين أكد ( أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر دون أن يشعر بتفكيره ...) و بالرجوع إلى معجم " لالاند " نجده يعرف الشعور بأنه ( حدس الفكر لأحواله و أفعاله ) و بذلك فالشعور هو الوعي الذي يصاحبنا أثناء قيامنا بأي عمل أو تصرف .


و الخلاصـــــــة أن منطق هذه الأطروحة يقوم على فكرتين متناقضتين ، إثبات التطابق بين الحياة النفسية و الشعور من جهة ، و نفي فكرة اللاشعور في الحياة النفسية من جهة أخرى، و تلك هي مسلمات هذه الأطروحة .


مناقشة الموقف .. لا ننكر حقيقة أن الإنسان كائن عاقل واع ما يدفع إلى الاعتقاد أنه مدرك لأحواله النفسية واع بأسباب تصرفاته لكن الواقع أن هناك كثيرا من التصرفات و الأحوال النفسية لا يجد لها تفسيرا و لا يدرك أسبابها منها مثلا أن يكون الإنسان قلقا من غير معرفة السبب أو أن يحب شخصا أو ينفر منه دون معرفة حقيقية لدوافع ذلك الحب أو تلك الكراهية. و هذا بلا شك يجعل جزءا مهما من حياتنا النفسية تفلت من وعي الذات لها . كما أنه لا يمكن التسليم بهذه العلاقة التي تربط بين كل ما نشعر به فهو موجود و ما لا نشعر به فهو غير موجود ، فنحن لا نشعر بالجاذبية كظاهرة طبيعية و مع ذلك فلا يمكن إنكارها .إن عدم القابلية للملاحظة لا يعني انعدام الشيء فيمكن ملاحظة أثره الدال عليه .....


الموقف النقيض : رفض المطابقة بين الحياة النفسية و الوعي ...مدرسة التحليل النفسي


في المقابل يرفض أنصار مدرسة التحليل النفسي أطروحة مطابقة النفس للوعي أو التماهي بين الحياة النفسية و الشعور .. و يرون أن هناك ما يبرر القول بوجود حالات نفسية تفلت من وعي الذات لها و أن هناك أنشطة نفسية تخفى وراءها رغبات مكبوتة ما يعزز الاعتقاد بفرضة اللاشعور كمظهر مختلف من مظاهر الحياة النفسية . و اللاشعور يعبر عن مجموعة الرغبات المكبوتة و الذكريات المنسية و الأحداث المؤلمة التي يمر بها الفرد و التي تؤثر في سلوكه بطريقة لاشعورية . و هكذا فإن الحياة النفسية أوسع من مجرد حالات شعورية واعية بل و أن الجانب الشعوري فيها لا يمثل إلا جزءا ضئيلا قياسا بالجانب اللاشعوري المترامي الأطراف. في هذا السياق يقول ــ سيقموند فرويد ــ ( إن تقسيم الحياة النفسية إلى شعورية و لا شعورية هو الفرض الصحيح عندنا ) .. إذن الحياة النفسية عند ـ فرويد ـ ليست شعورية فقط بل هناك جانب آخر هو اللاشعور . و بذلك يضع فرويد حدا للاعتقاد الشائع عند المدرسة الكلاسيكية حول المطابقة بين النفس و الشعور .


إثبات اللاشعور / (يقول فرويد اللاشعور فــــــــــــــــــــرضية لازمة و مشروعــــة و لدينا أدلة تثبت ذلك .)


شهادة فرويد على الحياة النفسية اللاشعورية قائمة على ملاحظته لتلك الأنشطة النفسية التي تخفي وراءها أحداث نفسية تؤثر في السلوك بطريقة لا واعيـــة ، و هي التي يصطلح عليه البعض بالتجليــــات ..... و منها الهفــــوات و الأحـــــلام و النسيــــان . و هي الأنشطة التي يؤكد فرويد أن وراءها دوافع لاشعوريـــة ... فالهفوات من مثل فلتات اللســان تكشف لصاحبها الرغبات الحقيقية المكبوتة التي يعمل صاحبها على إخفائها و مقاومتها لكي لا تطفو على سطح الشعـــــور . و يكفي لأي كان أن يحلل ما وراء عبارة ـــ الزواج الاقتصادي ــ بدلا من الرواج الاقتصادي ليكتشف حقيقة الرغبة المكبوتة و هي الرغبة في الزواج و التي لا يتم الإفصاح عنها و إنما عبر عنها بطريقة لاشعورية و هي فلتة اللسان.


أما النسيان فهو آلية من آليات التعبير غير الواعي عن الرغبات المكبوتة نعبر بها عن عدم اهتمامنا ببعض الأمور، فحين ننسى بعض الأسماء فهذا دليل على أننا لا نرغب في التعرف على أصحابها ولا يهمنا أمرهم ، و قد ينسى التاجر مستندات الضرائب لما تتركه في النفس من ألم فيعمل على استبعادها من ساحة الشعور إلى ساحة اللاشعور . (ننســــــى ما لا نرغب فيه ) ..... أما الأحلام في نظر فرويد فهي متنفس تلك الرغبات و تعبير عن الصراع بين اندفاعات الهو و قواعد المجتمع من قيم و أخلاق و تقاليد و التي يسميها فرويد بمنطقة الأنا الأعلى . ففي الحلم يغيب الوعي تماما ليترك المجال للرغبات المكبوتة كي تحقق إشباعها في غياب الشعور. يقول فرويد:( إن الحـــــــلم تحقـــــيق رغــــــبة) .


و تشكل الحــــــــيل النفسية مجالا آخر من خلاله تتجلى مظاهر التعبير عن أحوالنا النفسية التي تخفي وراءها دوافع لاشعورية من مثل الإسقاط و التبرير والنكوص و التعويض و غيرها . و كلها كما يرى علماء النفسية ميـــكانيزمات للتعبير عن الذات بطريقة غير واعية تؤكد وجود أنشطة نفسية لاشعورية ..


النقد : لا أحد ينكر أن اكتشاف اللاشعور يمثل انتقالا نوعيا في مجال الدراسات النفسية من حيث أنه ساهم في زيادة معرفتنا بعمق الحياة و النفسية و ما ترتب عنها من أساليب علاج مكنت من تخطي عقبة الكثير من الأمراض النفسية والعقد النفسية بعيدا عن التأويل الخرافي الساذج . غير أن هناك الكثير من الجوانب في نظرية اللاشعور بقيت رهن تأويلات فلسفية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع العلمي كتلك التفسيرات المتعلقة بعقدة أوديب و عقدة إليكترا و ما خالطها من أساطير لا تمت بصلة إلى المعرفة العلمية .


التركيب :يتضح أن الحياة النفسيـــة فضـــاء رحب يتداخل فيه ما هو شعوري مع ما هو لا شعوري تداخلا يجعل منها كلا متكاملا .. فكون الإنسان كائنا عاقلا يجعله واعيا بما يحيط به شاعرا بأحواله النفسية مدركا لمختلف العمليات التي يقوم بها من إبداع و تفكير و تحليل و تركيب و تخيل .. و عندما يعجز الشعور عن فهم و تفسير بعض التصرفات التي تبدو غريبة يمدنا اللاشعور بآليات جديدة تمكن من تسليط الضوء على ذلك الجانب المظلم من حياتنا النفسية .. و من مجموع الآليتين تتحدد معالم الحياة النفسية التي لا يمكن فهمها بردها إلى الشعور فقط أو اللاشعور فقط . و قد أحسن البعض عندما شبهها بالكرة الأرضية يمثل النهار فيها حياة الوعي و الشعور و يمثل ليلها ساحة اللاوعي ....


الموقف الشخصي : الحياة النفسي في التقدير الشخصي هي حياة الوعي و الشعور و هو ما يجعل الإنسان كائنا واعيا مدركا لتصرفاته واعيا بدوافع أفعاله ما يجعله قادرا على تحمل نتائج أفعاله و إن كان أحيانا يطرأ عليه ما يدل على اللاوعي و اللاشعور في بعض تصرفاته .


نستنتج في الختام أن الحياة النفسية ليست شعورية فقط و ليست لاشعورية فقط فهي مزيج من حالة الوعي و اللاوعي . بواسطة الشعور يمكن التعرف على كل العمليات النفسية الداخلية من خيال و إبداع و تذكر و التي تمكننا من تحقيق التكيف مع الواقع ، و من خلال اللاشعور نسبر أغوار تلك الحياة لنتعرف و نكتشف أعماق الحياة النفسية الباطنية و الوقوف على الكم الهائل من تراكمات الماضي التي تمكن من تجاوز محنة العقد و الأزمات النفسية

                                                            الاستاذ شنيق
ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع