القائمة الرئيسية

الصفحات

معيار الحقيقة ... هل تقاس الحقيقة بمعيار البداهة أم بمعيار النتائج النفعية ؟

 معيار الحقيقة


تحضير البكالوريا 2020 للشعب العلمية

                       


                                 هل الحقيقة تقاس باعتبار النفع أم باعتبار الوضوح؟

                                                                      طرح الإشكالية:

القراءة الفلسفية للســـؤال المطروح تحيل إلى وجود اختلاف و تباين في المواقف بين الفلاسفة حول المعيار التي تقاس به الحقيقة ، باعتبار الحقيقة عقليــة في ماهيتها فهي تقاس بمعيار البداهة و الوضوح بنظر العقليين أي كلما كانت الفكرة بديهية واضحية فهي بالضرورة صحيحة . لكن ارتباط الحقيقة بالواقع يجعلها نسبية و قيمتها في نتائجها النفعية بنظر البراغماتيين . وعليه يمكننا طرح التساؤل التالي: هل الحقيقة تقاس باعتبار الوضوح أم باعتبار النفع؟
محاولة حل الإشكالية:
عرض منطق المذهب الأول:
الحقيقة تقاس باعتبار الوضوح ـــ ديكارت ، سبينوزا.
يرى أصحاب هذا الطرح أن الحكم الصادق يحمل في طياته معيار صدقه و هو البداهة والوضوح ، أي أن الفكرة الصحيحة هي صحيحة في ذاتها لأنها بديــــهية و واضحـــة . بديهيـــــــة لأنها تفرض نفسها على كـــل العقول و لأنها لا تحتــــــــاج إلى برهان و لا يمكن دحضهــــا علميـــا . يقول سبينوزا : الشك في البديهية كالشك في العقل . و كأمثلة على ذلك مبادئ الرياضيات فهي تقوم على حقائق بديهية و مسلمة تصلح للبرهان بها لا للبرهان عليها . و من أشهر البديهيات المعروفة في الفكر الرياضي الكل أكبر من الجزء أو الخط المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين .من هذا المنطلق رفض ديكارت أي شيء على أنه حق ما لم يتبين بالبداهة أنه كذلك . فقد شك في المعرفة التي تنقلها الحواس لتطرق الشك إليها و عدم اليقين فيها ... إن الحواس خداعــة و من الحكمة ألا نتق بها .كل فكرة يتطرق إليها الشك مرفوضة . و بذلك انتهى ديكارت إلى قضيته المشهورة "أنا أفكر إذن أنا موجود" فوجدها واضحة . و ذلك ما عبر عنه بقوله " الأشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح والتمييز هي صحيحة كلها" . الوضوح بالنسبة إلى ديكارت لا يحتاج إلى توضيح لأنه واضح في ذاته لذلك لا يعقل أن يطلب الدليل على النهار فقد قيل " ليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار غلى دليل " .ويساند هذا الطرح سبينوز" ا الذي يرى أنه ليس هناك معيار للحقيقة خارج عن الحقيقة ذاتها " " فكما أن النور يكشف عن نفسه وعن الظلمات كذلك الصدق هو معيار نفسه ومعيار الكذب " .والفكرة لا تكون صادقة إلا إذا كانت مطلقة تفرض نفسها على الجميع فالفكرة الصحيحة هي التي لا تتناقض مع مبادئ العقل الفطرية.
النقد:
إن إرجاع الحقيقة كلها إلى الوضوح يجعلنا أمام معيار ذاتي للحقيقة قد نظن بأننا على صواب في أحكامنا على أساس البداهة والوضوح لكن قد يحدث أن يقف أحدنا بعد ذلك على خطأ وقد يحدث لأحدنا أن يرى بديهيا ما يتوافق مع تربيته وميوله واتجاهاته الفكرية. فالوضوح في هذه الحالة ليس محك الصواب وإنما توافق القضية المطروحة لميول الفرد وآرائه هو الذي يجعلها صحيحة وواضحة .إن الكثير من الآراء تجلت صحتها وهي واضحة فترة من الزمن وقد أثبت التفكير بطلانها ولقد آمن الناس مدة طويلة بأن الأرض مركز الكون وأنها ثابتة تدور حولها سائر الكواكب ثم دحضت الأبحاث الدقيقة مثل هذا الاعتقاد الخاطئ بل أن البديهيات الرياضية قد ثبت اليوم أن الكثير منها يقوم على افتراضات كما في الرياضيات المعاصرة.


عرض الموقف الثاني الحقيقة تقاس باعتبار المنفعة "بيرس،أوليام جيمس،جون ديوي".
يرى أصحاب المذهب البرغماتي أن الحكم الصادق يحتمل أن يكون صادقا متى دلت التجربة على أنه مفيد عمليا . وبذلك تعتبر المنفعة الأساس الوحيد لتمييز صدق الأحكام من باطلها حيث يقول ـ بيرس ـ"إن الحقيقة تقاس بمعيار العمل المنتج" , و بذلك فالحقيقة ليست غايــة في ذاتها بل هي وسيلة لغاية أخرى ، إن تصورنا لموضوع ما هو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر. ويرى بيرس أن معيار الحقيقة هو المنفعة فالفكرة الصادقة هي التي تفيدني من الناحية العملية والفكرة الكاذبة هي التي لا تحقق لي نفعا. ويرى ويليام جيمس أن النتائج أو الأفكار التي تنتهي إليها الفكرة هي الدليل على صدقها أو مقياس صوابها وإذا أردنا أن نحصل على فكرة واضحة لموضوع ما علينا إلا ننظر إلى الآثار العملية . ومعنى هذا أن الحق لا يوجد أبدا منفصل عن الفعل أو السلوك فنحن لا نفكر في الخلاء وإنما نفكر لنعيش وليس ثمة حقائق مطلقة بل هناك .مجموعة متنوعة ومختلفة ومتعددة من الحقائق التي ترتبط بمنافع كل فرد منا في حياته. يقول وليام جيمس" إن كل ما يؤدي إلى النجاح فهو حقيقي وأن كل ما يعطينا أكبر قسط من الراحة وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأي حال من الأحوال فهو حقيقي " ويضيف "الحق ليس إلا التفكير الملائم للغاية كما أن الصواب ليس إلا الفعل الملائم للسلوك " أي أن معيار الحقيقة هو النجاح . قد ذهب جون ديوي أن الفكرة مشروع عمل والحقيقة تعرف من خلال نتائجها والأفكار الحقيقية أدوات ناجحة لمواجهة مشكلات الحياة ،فالفكرة الدينية حقيقة إذا كانت تحقق للنفس الإنسانية منفعة كالطمأنينة والسعادة والفكرة الاقتصادية حقيقة إذا كانت تحقق الرفاهية المادية فالأشياء تكون حقيقة حسب المنفعة التي تستهدفها وتحققها إذن معيار الحقيقة حسب البرغماتية هو الغايات والنتائج وليس المبادئ .
النقد:
إن إرجاع الحقيقة إلى معيا ر النجاح ( المنفعة ) يطبع الحقيقة بطابع الذاتية و يبتعد عن الموضوعية ذلك أن المنفعة هي مسألة تقديرية تختلف من شخص إلى آخر بحسب ميوله و اهتماماته بالنظر إلى تعارض المصالح فهناك أفكار نافعة ولكنها غير مطبقة وهناك أفكار غير نافعة ولكنها مطبقة ، ثم أن مفهوم المنفعة واسع جدا هل هي منفعة الفرد الخاصة أم منفعة الجماعة .
التركيب :
إن معيار الحقيقة لا يمكن حصره في الميدان الذي يرتضيه أنصار الوضوح أو تأسيسه على أساس المنفعة كما زعمت البرغماتية فمعيار الحقيقة هو الوضوح والمنفعة وإن كلا المعيارين نسبي ومحدود ومعرض للتغيير. وهناك من تجاوز هذا الطرح وهم أصحاب المذهب الوجودي الذين يقرون بأن مجال الحقيقة الأول هو الإنسان المشخص في هذا الوجود الحسي كما يرى سارتر وليس الوجود المجرد كما ترى الفلسفات الكلاسيكية وحقيقة الإنسان هي في إنجاز ماهيته لأنه في بداية الأمر لا يمتلك ماهيته فهو محكوم عليه بأن يختار .
الخاتمة :
إن معيار الحقيقة يبقى في النهاية معيارا نسبيا لا يمكن الجزم برأ ي دون الأخر و إلا أصبحت الحقيقة ذاتيـــــة . و الواقع أن الحقيقة و إن كانت واحدة في جوهرها فهي متعددة في موضوعاتها متعددة في مقاييسها فهناك الحقيقة الرياضية التي يكون معيارها الموضوعي انطباق الفكر مع ذاته وهناك الحقيقة العلمية أو الفيزيائية التي يعود معيارها إلى التجربة. ( انطباق الفكر مع الوقع )




ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع