القائمة الرئيسية

الصفحات

الاخلاق بين النزعة العقلية و الاتجاه النفعي ..


الأخلاق المجردة و الأخلاق التجريبية

,
الأخلاق بين النزعة العقلية و الإتجاه النفعي
جدليةالأخلاق

هل قيــــــــــمة الفعل تكمـــــــــــــــــن في مبدئه أم في نتيجته ؟

المقدمة

تعتبر الأخلاق من العلوم المعيارية التي تهتم بدراسة السلوك الإنساني من منظور ما يجب أن يكون ومن ثم فإن أحكامها أحكام قيمة تقوم على أساس معياري الخير والشر ، و لما كان الإنسان بعقله قادرا على التمييز بين الخير و الشر ظن البعض أن معيار الحكم على الأفعال هو العقل ، غير أنه بالنظر إلى أن الطبيعة البشرية التي جبل عليها الفرد تجعل من الصعب الاحتكام إلى المبدأ العقلي في تقييم الأفعال على المستوى الواقعي . ومن ثم فإن قيمة الفعل تكمن في النتيجة لا في المبدأ في نظر البعض الآخر. فهل الفعل الأخلاقي يقاس بالطبيعة العاقلة التي تميز الإنسان ؟أم هو على العكس من ذلك يقاس بمدى استجابة الفرد لدوافعه الحيوية ؟

النزعة العقلية في الأخلاق (الموقف الأول) :

ترى هذه الأطروحة إن القيم التي يؤمن بها الإنسان ويلتزم بها في حياته مصدرها العقل , وهذه القيم ثابتة ومطلقة لا تتغير بتغير الزمان والمكان .. يرى أفلاطون أن الأخلاق أسمى من أن تكون ذريعة لتحقيق نزوات ترتبط بالجسد ، إن الأخلاق قانون عام للناس في كل عصر ومصر و لذلك وجب إقامته على أسمى قاسم مشترك بين الناس ألا و هو العقل ..و أن الفعل الأخلاقي يتضمن جزاءه في ذاته و أن الخير خير في ذاته . يقول أفلاطون :الخير فوق الوجود شرفا وقوة .إن الأخلاق عند أفلاطون مكانها عالم المثل و لا سبيل إلى إدراكها إلا بالعقل .

ترى المعتزلة أن الخير و الشر ذاتيان في الأشياء و الأفعال و العقل يدرك ما في الأشياء من حسن وقبح أي معرفة قيم الأفعال على أساس الخير والشر . يملك العقل القدرة على التمييز ما بين ما هو حسن و ما هو مستهجن وذلك حتى قبل مجيء الشرع إذ الشرع مجرد مخبر لما يتوصل إليه العقل. ويعتبر كانط من أبرز المنظرين للفلسفة المثالية و بخاصة في مجال الأخلاق ،و لقد اشتهر مذهبه الفكري بالمذهب النقدي ، و من هذا المنطلق أراد كانط أن يعطي الأخلاق قيمتها الرفيعة فعمل على تحريرها من سيطرة الميول و الرغبات فكانت فلسفته في ذلك حربا على المذاهب التي تؤسس الأخلاق على مبدأ اللذة والمنفعة . و يعتبر مذهب كانط مذهبا عقليا أساسه كشف المبادئ العامة للعقل أي كشف قوانين العقل . وفي مجال الأخلاق يشكل العقل العملي مصدرا للمبادئ العامة التي يقوم عليها السلوك الأخلاقي . و يشكل الواجب عند كانط محور الأخلاق ومصدر الإلزام فيها . بمعنى أن الالتزام بالأخلاق ليس مصدره السلطة الخارجية من دين أو مجتمع أو قانون ، بل ينحصر مصدره في الواجب العقلي . و بذلك فالإلزام يكون نابعا من إرادة الفرد الحرة و كل فعل من دون إرادة الفرد لا يحمل أي قيمة خلقية ولو كانت في ظاهرها عملا صالحا .إذن إن مصدر الواجب هو العقل بمبادئه المطلقة. فإذا كان ما يميز الإنسان هو العقل أي طبيعته العاقلة فالواجب يحتم على الفرد الالتزام بما يمليه العقل انطلاقا من مبادئه العامة .و إذا كان العقل هو مصدر الإلزام فذلك معناه أن له أوامر و نواه ، غير أن أوامر العقل مطلقة تخلو من أي شرط و تعتبر غاية في ذاتها تتأسس عليها الأخلاق و ليست وسيلة و من أمثلتها ... كن أمينا ......أحرص على مساعدة الآخرين .......و هي كذلك عامة ومطلقة ، مطلوبة لذاتها ، صارمة ليس فيها استثناء ونابعة من حرية الإرادة .فّان كنت حريصا على فعل الخير بغرض الدخول إلى الجنة اعتبر ذلك عملا غير أخلاقي.وذلك لارتباطه بنتيجة نفعية .

نقد :

 لا شك أن التصور الذي تقدمه الفلسفة العقلية حول معيار القيمة الخلقية هو تصور نظري مجرد عن معطيات التجربة الحسية بعيدا عن متغيرات الواقع ، مصمم لنوع خاص من الإنسان ، الإنسان العاقل المثالي المتعالي على طبيعته البشرية ، إنسان ذو إرادة حديدية قابل للتضحية بكل شيء من أجل لا شيء .هذا النوع من الإنسان لا وجود له إلا في مثالية أفلاطون و عقلانية كانط .إن الإنسان كائن عاقل ، صحيح ، لكنه من ناحية أخرى يملك عواطف و له ميول تحركه ومصالح تحفزه .

الموقف الثاني

على العكس من مذهب العقليين الذي أسس الأخلاق على ما يميز الإنسان و هو العقل تذهب النزعة المادية التجريبية مذهبا مغايرا في نظرتها إلى معيار القيمة الخلقية . إن الغاية القصوى للأخلاق من وجهة نظر التجريبيين تكمن في سعي الإنسان لتحقيق الخير الأقصى ، و من الواضح أن الخير الأقصى هو المقصود بالسعادة . و السعادة هي كل فعل يحقق لصاحبه اللــــــــــــــذة . و هكذا فإن عنوان الخير عندهم هو ــ اللذة هي الخير الأعظم و عنوان الشر هو ـ الألم هو الشر الأعظم ـ *** وهكذا فإن الخير خير لما يترتب عليه من نتائج نفعية و الشر شر لمل يلحقه بالإنسان من ضرر .و تتفق جميع المدارس التجريبية على فكرة واحدة هي قياس الخير و الشر على نتائجه و ذلك من ـ ارستيبيس ـ إلى ـ أبيقور ومن ـ بنتام ـ إلى ـ جون ستيوارت مل ـ إلى البراغماتية المعاصرة .

لقد أشار ارستيبس صراحة إلى أن اللذة هي صوت الطبيعة . بمعنى أن الإنسان بفطرته يميل إلى جلب ما ينفعه و يفر من كل ما يجلب إليه الضرر و الألم ، وأن الغريزة هي المحرك الأول لأفعال الإنسان وجعل معيار الخيرية و الشرية في الأفعال ــ اللذة و الألم ــ.و مع أن ـ أبيقور ـ يشاطر هذا الاتجاه إلا أنه رفض أن تكون اللذة المنشودة بصفة مطلقة ، فالإفراط في اللذات يؤدي إلى عواقب جسيمة، فنادى بضرورة تصنيف اللذات و تنظيمها و إضفاء صفة المعقولية عليها .و في الفلسفة الحديثة عرف مذهب اللذة تطورا نوعيا يتمثل في نظرة الفيلسوف ــ جريمي بنتام ــ الذي يرى أن اللذة أو المنفعة هي الخير المرغوب فيه و الألم هو الشر الواجب تفاديه ،و منه فالمنفعة هي مقياس الخير والألم هو مقياس الشر . مع التركيز على المنفعة الخاصة الفردية . و هي النقطة التي خالف فيها جون ستيوارت مل أستاذه بنتام و ركز على ما يحقق أكبر قدر من المنافع لأكبر قدر من الناس .

نقد : 

لا شك أن تأسيس الأخلاق على نتائجها و غاياتها يميل بالأخلاق عن طابع القداسة فيها و تصبح بالتالي لا قيمة لها ، إن ما يميز الأخلاق طابعها الإنساني الثابت و تجريدها من هذا الطابع يفقدها مكانتها و قيمتها .

الموقف التركيبي :

 إن تأسيس الأخلاق على العقل المحض كما تذهب إليه النزعة العقلية لا يقدم صورة واضحة عن القيم الأخلاقية لأنه يبعدها عن الواقعية كما أن اعتبار الأخلاق مجرد منفعة يسعى لتحقيقها الإنسان أو مضرة يعمل على تجنبها يجرد ها من الطابع الإنساني العام الذي يميزها لذلك من المنطق القول بأن الأخلاق بقدر ما هي مثالية عقلية فهي واقعية ترتبط بواقع الإنسان و حاجياته المتغيرة.

الموقف الشخصي : 

الطابع العقلي الذي يميز الإنسان عن غيره يجعل الأخلاق قواعد عقلية عامة و ثابتة و كون الإنسان كائنا له دوافع تحركه لتحقيق مصالحه يجعل الأخلاق واقعية ترتبط بما يسعى إليه الإنسان .

الخاتمة و حل الإشكال :

إن ربط الأخلاق بالعقل يبعد الإنسان عن واقعيته و يجعله كائنا مثاليا و ربط القيمة الخلقية بالمنفعة الذاتية يفقد الفعل الأخلاقي طابعه الإنساني ، فالأخلاق الحقيقية هي التي تراعي طابع الشخصية الإنسانية ذات الأبعاد المتعددة .فمهما كانت الأخلاق عقلية المنشأ فهي لا تخلو من أثر نفعي ذاتي و مهما كانت نفعية فلا يمكن تجريدها عن الطابع المميز للإنسان و هو العقل .




ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع