القائمة الرئيسية

الصفحات

تفيسر طبيعة الذاكرة ... هل الذاكرة في طبيعتها مرتبطة بالفرد أم لها أثر اجتماعي في تكوينها ؟


تفسير طبيعة الذاكرة

مقالات فلسفية
الشعب الأدبية

يتميز الإنسان بقدرته على اختزان صور الماضي التي تم اكتسابها و بقدرته على استرجاعها عند الحاجــــــة و يعد هذا النشاط من صميم عمل الذاكـــرة . و قد اختلفت نظرة الفلاسفة و المفكرين في تفسيرهم لطبيعة الذاكرة و كيفية حفظ الذكريات ، فارتباط الذاكرة بالدماغ أسس للتفسير المادي لطبيعة الذاكرة و اعتبارها وظيفة من وظائف الجهاز العصبي بزعم الماديين . لكن البعض أخذ بعين الاعتبار الوظيفة النفسية للذاكرة للتأسيس للقول بطبيعتها النفسية السيكولوجية . و منهم من ركز على الأثر الاجتماعي في تكوينها . في ظل هذا العنــاد: هل الذاكرة فردية في ماهيتها أم للأثر الاجتماعي دور في تكوينها ؟


الطابع الفردي للذاكرة ( التفسير المادي (ريبو) و التفسير الروحي السيكولوجي (برغسون)


كلا التفسيرين ينظر للذاكرة على أنها نشاط فردي و أن الذكريات ذات طابع شخصي فردي (لكل فرد ذكرياته الشخصية) و أن نشاط الذاكرة ينصب على إعادة صور الماضي ..


(مجرد إعادة )


التفسير المادي للذاكرة ...


يفسًر ــ ريبوــ الذاكرة تفسيرا ماديا باعتبارها وظيفة من وظائف الجهاز العصبي و تتعلق بنشاط الدماغ ، و أن الذكريات مخزونة في خلايا القشرة الدماغية ( المخ ) على شكل آثار مادية منقوشة بفعل التكرار ، بحيث أن الذكرى التي تنال حظا وافرا من التكرار تصبح أكثر رسوخا من غيرها .يقول ـ ريبو ـ ** إن الذاكرة ظاهرة حيويَة بالذات نفسية بالعرض ** و الذاكرة بهذا المعنى تشبه الأسطوانة في تخزين الذكريات .و عليه فالذاكرة هي خزَان الذكريات ..


و يكفي أن تلاحظ العلاقة بين إصابة خلايا الذاكـــــرة و زوال الذكريات لتقف على حقيقة الطابع المادي الفيزيولوجي للذاكرة . و أن تنشيط الجهاز العصبي ينعكس إيجابا على نشاط الذاكرة و عودة الذكريات .و عليه فإن بالمخ كم هائل من الخلايا كل خلية تحتفظ بذكرى واحدة أو أكثر و أن إصابة هذه الخلية أو تلك ينتج عنه زوال الذكرى المرتبطة بها .إن الذكريات هي آثار مادية و إن من خواص الخلايا حفظ الآثار و تكرارها .


تجارب بروكــــا .. أكدت تجارب الطبيب بروكا أن أي نزيف دموي بالدماغ ينتج عنه مرض الحبسة ( فقدان النطق) أو العمى اللفظي أو الصمم اللفظي ( نسيان معاني الألفاظ ) و كلها مؤشرات على إصابة الذاكرة بشكل ما و مؤشر على أن الذكريات مخزنة في الدماغ .إذن الذاكرة بطبيعتها نشاط بيولوجي ..يقول ـ تــيـــن ـ ( المخ وعـــــــــــــــــــــــــــاء لحفـــــــظ الذكريـــــــــــــــــــــــــــــات ) كما يقول ديكارت أيضا ـــ الذكريات تخزن في ثنايا الجسم ــ


واضح إذن أن هذه المقدمات في تفسير طبيعة الذاكرة تحيـــل إلى استنتاج منطقي و هو أن الذاكرة عــــــــــادة مرتبطة بالجسم و تترسخ بواسطة التكرار ، فلا فرق بين الذاكرة و العادة بالنسبة لأنصار التفسير الفيزيولوجي المادي ....


نقد : واضح أن هذا التفسير لطبيعة الذاكرة يركز على إبراز دور الدماغ كأساس لحفظ الذكريات و استرجاعها مهملا و متجاهلا دور العوامل النفسية مثل الميول و الرغبات و العواطف و الاهتمام كعوامل مؤثرة في التذكر .


الذاكرة عند ـ برغسون ـ


ليست مادية في ماهيتها بل هي جوهر نفسي روحي مثلها مثل باقي الأحوال النفسية تحتفظ بصورها في اللاشعور . و الذكريات ليست آثار مادية منقوشة في خلايا المخ كالصور على الألواح . و إذا كان ريبو قد طابق بين الذاكرة و العادة فإن برغسون قد فصل بينهما على أساس اختلافهما الجوهري ، العادة جسمية و الذاكرة نفسية .يقول برغسون ( إن الماضي يعود إلى مسرح النفس بطريقتين ، صورة حركات مخزونة في الجسد ( عادة ) و صورة ذكريات نفسية محضة لا علاقة لها بالدماغ ( ذاكرة) .و عليه فالذاكرة عند ـ برغسون ـ ذاكرتان ، ذاكرة حركية و ذاكرة نفسية ، الأولى تشبه العادة و الثانية ذاكرة الصور النفســـية ... إن ذكرياتنا ترتبط بميولنا و رغباتنا و اهتماماتنا لذلك لا يحتفظ الأفراد بنفس الذكريات لأن لكل فرد ميوله و رغباته . فالذي يهتم بالفن مثلا يحتفظ أكثر من غيره بصور الفن . يقول برغسون : إننا عندما نتذكر فإننا في الغالب نتذكر أنفسنا .إن الإصابات الدماغية تعرقل التذكر فقط و لا تزيل الذكريات لأنها مستقرة في اللاشعور .أي أن الذكريات لا تزول بل هي موجودة في حــــالة كمـــون في اللاشعور . و يعرف ــ لالاند ــ الذاكرة بأنها القدرة على استرجاع حـــــالة شعورية ماضية مع التعرف على أنها من الماضي ... و من التعريف يتضح الطابع النفسي السيكولوجي لطبيعة الذاكرة ..


النقد .. قد لا يكون برغسون مبالغا في نظرته المختلفة للذاكرة و العادة لكنه بالغ في القول أن الذكريات المحضة تحفظ في اللاشعور علما أن فرضية اللاشعور لا تبين كيف تحفظ الذكريـــــات ..لقد دلت التجارب أن للذاكرة أساسا عضــويا كما لها أثرا اجتمـــاعيا .


الطابع الاجتماعي للذاكرة ... هالفاكس ..


التفسير الاجتماعي للذاكرة


ينفي ــ هالفاكس ـ في تفسيره لطبيعة الذاكرة الطابع الشخصي للذكريات فلا وجود لذاكرة فـــــردية بل هناك الذاكرة الجمـــاعية و التي تتعلق بالحياة العامة . يقول أنصار الاتجاه الاجتماعي :(إن الماضي إنما يحفظ في ذاكرة الجماعة لا في ذاكرة الفرد وحدها ) إن الفرد لا يعيش ماضيه المنعزل بل يعيشه جماعيا باعتباره جزء من الكل يتصرف حسب المجموعة التي ينتمي إليها . و الغير كما يرى ــ بيار جاني ـ يذكرنا بالأحداث التي جمعتنا فذاكرته تساعد ذاكرتي و ذاكرتي تساعد ذاكرته . و منه يعمل الكل على إعـــــادة بنــــاء الماضي من جديد و يساهـــم في ذلك الجميع . و تلعب اللغة دورا فعالا في بناء الذاكرة و تشكيل الذكريات فنحن نستحضر الذكريات بواسطة اللغة و اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية تطبع الذاكرة بطابعها الاجتماعي .يقول هالفاكس : إننا ننطق بذكرياتنا قبل استحضارها .فاللغة هي التي تمكننا من إعادة بناء ماضينا ، إن الذكريات ليست حوادث نفسية أو آثار في خلايا المخ بل هي بناء الحوادث بواسطة الأطر الاجتماعية التي يمدنا بها المجتمع .فإذا تذكر الفرد صورة ماضية ما فإنه يتذكرها داخــل نطــاق الأسرة أو المدرسة أو مكان عمله أي داخل الأطر الاجتماعية و هذا يبرر تأثير الحياة الاجتماعية في حفظ الذكريات .......و من ثم فلا مبرر للحديث عن الذكريات الشخصية الخاصـــة ...


النقد :


لو كانت الذاكرة في طبيعتها اجتماعية لكان الأفراد الذين يعيشون في نفس المجتمع و يتحدثون نفس اللغة لديهم نفس الذكريات لكن الواقع يؤكد العكس مما يدل على تدخل العوامل الذاتية الفردية التي تؤثر بلا شك في هذه الوظيفة المعقدة .


تركيب :


ارتباط الذاكرة بالإنسان يجعلها من طبيعة فردية فيزيولوجية و سيكولوجية و كون الإنسان كائنا اجتماعيا يجعل الذاكرة ذات طابع اجتماعي . إن الذاكرة في الواقع مبنية على ثلاثة عوامل متكاملة ، العامل العضوي و العامل السيكولوجي و العامل الاجتماعي ..و تفاعل هذه العوامل مع بعضها هو ما يجعل الذاكرة وظيفة معقدة و متداخلة .


حل الإشكال


الذاكرة مهما كانت فردية فيزيولوجية أو سيكولوجية فهي لا تخلو من أثـــــــر اجتماعيي و مهما كانت الذاكرة اجتماعية فهي لا تخلو من طابع فردي .و عليه فإن القول بالطابع الفردي للذاكرة لا ينفي الأثر الاجتماعي في تكوينهــــــــــــــــــــــا ..و التأكيد على الأثر الاجتماعي لا يلغي طابعها الفردي ....








ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع