القائمة الرئيسية

الصفحات

وظائف اللغة ... هل تنحصر وظيفة اللغة في مجرد التواصل مع الآخر ؟


وضائف اللغة

شعبة أداب و فلسفة
وضائف اللغة جدلية

          المقدمة :


    الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتمتع بقدرته على الكلام ـ أي القدرة على إنشاء الرموز و ابتكار الإشارات للتعبير عن أفكاره و مشاعره و لذلك يوصف بالحيوان الناطق تأكيدا على أن اللغة خاصية إنسانية .و بالنظر إلى الطابع الاجتماعي الذي يميز اللغة و كونها جسر للعلاقة بين الأنا و الغير جعل منها البعض أداة للتواصل بامتياز ..و حصر وظيفتها في التواصل الاجتماعي . غير أن الطابع الإنساني الذي يميزها  يجعلها نشاطا إنسانيا متعددا و متنوعا ، و هو ما يحيل إلى القول  بتجاوز الوظيفة الاجتماعية إلى وظائف أخرى .في ظل هذا التعارض نتساءل : إذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية فهل ذلك يبرر اختزال وظيفتها في التواصل الاجتماعي ؟ أليس للغة وظائف أخرى تتجاوز كونها مجرد أداة للتواصل ؟
     الموقف الأول :
تمتاز اللغة بطابعها الاجتماعي باعتبارها قاسم مشترك بين الأفراد الذين ابتكروها و أبدعوها و من ثم فإن وظيفتها يجب أن تكون اجتماعية غايتها تحقيق التواصل الاجتماعي . فقد ذهب بعض المفكرين و منهم ـ غوسدورف ـ إلى اعتبار اللغة من أهم الوسائل التي ابتكرها الإنسان بغرض التواصل مع الغير . فلولا اللغة لما كان هناك اتصال مع الآخر و بواسطتها يرتبط الناس مع بعضهم البعض باعتبارهم كائنات اجتماعية . فهي تساهم في تحقيق التماسك الاجتماعي وتعزيز التضامن و التكافل و تعبر عن وحدة المجتمع.  و لذلك فهي من مقومات الأمة الأساسية .في هذا السياق يشير ـ غوسدورف ـ إلى
أننا نتكلم لأننا لا نعيش منعزلين ... ـ و في هذه الإشارة تأكيد على الطابع الاجتماعي الذي يميز اللغة باعتبارها أداة للتواصل مع الغير . فلو كان الإنسان وحيدا لم يكن في حاجة إلى لغة لأنه لا يجد من يتواصل معه . فالآخر هو الذي فرض اللغة لهذه الغاية . إن بكاء الطفل يعتبر لغة تواصل مع الغير ينقل من خلالها حاجاته إلى الغير . و كذلك أثناء المناجاة باعتبار من تناجي طرفا آخر . و كل ذلك يؤكد الطابع الاجتماعي التواصلي للغة .
       و لتأكيد الطابع الاجتماعي التواصلي يضع ـ رومان جاكبسون ـ شروطا للتواصل الاجتماعي باعتبار التواصل نقل للمعلومة من طرف إلى آخر ، منها المرسل و المرسل إليه و الرسالة و القناة و الاستجابة . و تشكل الاستجابة أهم شرط للتواصل باعتباره الفاصل بين الاتصال و التواصل . و عليه فإن ارتباط اللغة بهذه الوظيفة ـ التواصل ـ هو ارتباط وجود . و تأكيدا على ما سبق تقول ـ جوليا كريستيغا ـ إذا كانت اللغة مادة للفكر فهي أداة للتواصل فلا مجتمع من دون لغة و لا مجتمع من دون تواصل .
 
         نقد :
لا ننكر أن اللغة نشاط اجتماعي غايتها التواصل بين الأنا و الغير لكن ذلك لا يبرر القول بأنها تقتصر عليه فقط . فالطابع الإنساني للغة يجعل منها نشاطا متعددا و متنوعا في الوظائف و الأغراض .
     الموقف الثاني :
 في مقابل الأطروحة السابقة يرفض البعض ـ و خاصة منهم علماء النفس ـ أن ينحصر دور اللغة في التواصل الاجتماعي و يؤكدون على تعدد وظائفها و خاصة منها ما يتعلق بالجانب النفسي السيكولوجي .تعتبر اللغة عند علماء النفس أداة للتعبير عن الأفكار و المشاعر و العواطف . و كلما ارتقى الفرد في مستوى التعبير ارتقى في مستوى التفكير . و الطفل كما هو في حاجة إلى ما يعبر عنه فهو في حاجة إلى ما يعبر به ( اللغة  ) .و يستخدم التحليل النفسي اللغة باعتبارها أداة للحوار من خلالها يتسللون إلى أعماق النفس الإنسانية ، فهي بذلك أداة للتنفيس عن المشاعر المكبوتة من دونها تظل تلك المشاعر في طي الكتمان . إن الفكر من منظور الاتجاه الأحادي يبقى مجرد خواطر لا تعرف إلا من خلال ترجمة لغوية تحمل دلالات و معان متميزة .و بالنظر إلى قدرة اللغة على التطور و الاشتقاق فقد ساهمت اللغة في  تطوير لغة العلم و تمكنت من صياغة القوانين العلمية صياغة رمزية كما هو واضح في لغة الرياضيات و لولا اللغة لافتقد العقل قدرته على التجريد و هذا ما يؤكد وظيفتها الرمزية . كما تمتاز اللغة بقدرتها على طرق أبواب الخيال بما تمتاز به من بيان و سحر في التعبير من خلال المجاز و الاستعارة و التشبيه و غيرها .
        و تشكل اللغة قاسما مشتركا بين كل ما هو متاح من وسائل الإعلام الحديثة لنقل الأخبار إلى الغير و بفعل قدرة اللغة على الإبداع تمكنت فئة الصم  البكم من توكيد  ذاتها و اندماجها داخل المجتمع . و تتعدد وظائف اللغة بتعدد أنشطتها الإنسانية فهناك الوظيفة التنظيمية و الوظيفة الاستكشافية و الوظيفية النفعية و غيرها كثير ما يدل على حيوية اللغة و فعاليتها في التعبير عن ماهية الإنسان ككائن عاقل و هو ما جعل  كوندياك ـ يصرح بأن اللغة تصنع معارفنا و أرائنا و أحكامنا المسبقة .  
       نقد :
صحيح أن تعدد وظائف اللغة و تنوع أنشطتها يؤشر لحيويتها و فعاليتها غير أن تعدد تلك الوظائف في الظاهر ما هو إلا تعبير عن الطبيعة الاجتماعية للغة متمثلة في التواصل الاجتماعي .
 
   التركيب :
  إن وظيفة اللغة باعتبارها وسيلة تعبير و تفاهم و تواصل اجتماعي هو الذي يضفي عليها طابع النشاط الإنساني و يجعلها مهمة في تحقيق ماهية الإنسان ككائن عاقل يفكر و يبدع في التغبير عما يفكر ، و بالنظر إلى تنوع استخدامات اللغة في مجالات مختلفة من حياة الأفراد فإنه من الإجحاف و التعسف حصر وظيفتها في مجال دون غيره .
كموقف شخصي أرى أن ما يميز اللغة طابها الإنساني باعتبار الإنسان كائن اجتماعي لا يعيش بمعزل عن الآخر و كائن عاقل يفكر و يستخدم اللغة كأداة للتعبير عما يفكر فيه .
     إن الحديث عن وظائف اللغة هو في الحقيقة حديث عن الإنسان ذاته باعتبار اللغة خاصية إنسانية تعبر عن ماهيته ككائن عاقل يفكر و يبدع و يعبر و ينقل تجاربه إلى الغير مؤثرا فيه و متأثرا به و هي بذلك تعكس ما بناه الإنسان من قيم حضارية في مختلف مجالات الحياة .

ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع