القائمة الرئيسية

الصفحات

بين البديهيات و المسلمات في الرياضيات المعاصرة و الكلاسيكية .. هل من الضروري التمييز بين البديهيات و المسلمات في أي نسق رياضي ؟



بين البديهيات و المسلمات في الرياضيات المعاصرة و الكلاسيكية .. هل من الضروري التمييز بين البديهيات و المسلمات في أي نسق رياضي ؟ 




المقدمة : تهتم الرياضيات كعلم بدراسة المقادير الكمية القابلة للقياس بنوعيها المتصلة و المنفصلة ، و تعتمد في طريقة البرهان على مجموعة من المبادئ أبرزها البديهيات و المسلمات ، فإذا كان التمايز بين هذين المبدأين أهم ما يميز الرياضيات الكلاسيكية بنظر الكلاسيكيين ، فإن الجمع بينهما في مبدأ واحد هو ما يميز الرياضيات المعاصرة بنظر المعاصرين. فإذا كان البرهان الرياضي يقوم على أساس من هذين المبدأين فإلى أي مدى يمكن التمييز بين البديهيات و المسلمــــــــــــــــات ؟


الموقف الأول : التمييز بين البديهيات و المسلمات


أنصار الرياضيات التقليدية يرون أن هناك ما يدعو إلى ضرورة التمييز بين البديهيات و المسلمات في إقامة و بناء البرهان الرياضي ، باعتبارهما من طبيعتين متمايزتين . فإذا كانت البديـــهية قضـــية عقلـــــية واضحـــة في ذاتهــــا أولية فطـــرية لا تحتاج إلى برهان أي لا يمكن إثباتها علميا و لا يمكن دحضها علميا و كانت عامة تفرض نفسها على كل العقول و ثابتة لا تتغير بمر الزمن و يقينية كما يقول " سبينوزا" الشك في البديهية كالشك في العقل " و من أمثلتها " الكل أكبر من الجــــزء " ..... فإن المسلمــــــــة قضيــة لا تتمتع بنفس درجة الوضوح و اليقين الذي تعرف به البديهية لأنها مجرد افتراض ضروري تصلح للغايـة التي وضعت لها و هي القيام بالبرهان و استنتاج ما يترتب عنها من نتائج .


من جهة أخرى إذا كانت البديهـــــــية لا تنسب لصاحبها لأنها قضية عامة فإن لكل رياضي مسلماته الخاصة به و لهذا وجدنا مسلمات اقليديس و مسلمات ريمان و مسلمات لوباتشيفسكي ( يمكن عرض بعض المسلمات الخاصة بكل رياضي ).


إن أكثر ما يميز البديهية عن المسلمة طابع الموضوعـــــــــــية كونها قضيـــة تفرض منطقها على كل العقول عكس المسلمة التي تتميز بطابعها الذاتي لذلك فهي توصف بالصدق الذاتي النسقي لأنها لا تصلح إلا ضمن نسقها الرياضي و سياقها المنطقي .و من هنا فكلاهما يعبر عن قضية عقلية مختلفة و متمايزة .في هذا السياق يقول عبد الرحمان بدوي "إن البديهية مطلقة الصحة بينما المصادرة (المسلمة) نسبية الصحــة "


النقد : الواقع أن القول بالتمايز بين البديهيات و المصادرات ليس له ما يبرره لأن كلاهما من منطلقات البرهان الرياضي أي لهما نفس الغايـــة و يقومان بنفس الوظيفة داخل النسق الذي يوجدان فيه .


الموقف الثاني :


أنصار الرياضيات المعاصرة و منهم ريمان و لوباتشيفسكي لا يرون مبررا للتمييز بين البديهيات و المصادرات لأن كلاهما من مبادئ البرهان الرياضي و كلاهما يمثلان على حد سواء افتــــــراضا يقوم عليــــه البرهــــان الرياضي .إن المهــــم في الرياضيات المعاصرة أن يستند الرياضي في برهانه على افتراض محدد سواء كان ذلك مسلمة أم بديهية فالقاسم المشترك بينهما هو وظيفتهما في البرهان و المهم أيضا ألا تتناقض النتيجة مع المبادئ المفترضة .


و من هذا المنطلق تعددت الأنساق الرياضيــة في الهندسة اللاإقليدية ( المعاصرة) . من جهة أخرى إذا كانت مبادئ الرياضيات التقليدية توصف بالصدق المطلق و اليقين المطلق فإنه على العكس من ذلك فإن مبادئ الرياضيات المعاصرة (الأنساق الأكسيوماتية ) هي مجرد افتراضات لا توصف بأنها صادقة أو كاذبة أي لا تحمل في ذاتها ما يدل على صدقها أو كذبها لأن قيمتها تكمن في وظيفتها داخل نسقها الرياضي فهي منطلقات للوصول إلى استنباطات محددة .فالكل أكبر من الجزء يعد قضية مطلقة في الرياضيات التقليدية هي قضية نسبية في الرياضيات المعاصرة حيث الكل يساوي الجزء في منطق المجموعات اللامتناهية .و بذلك فإن الحديث عن التمايز بين البديهيات و المسلمات ليس له ما يبرره في الهندسة اللاإقليدية فالكل مجرد مصادرة (مسلمة) مفترضة .


النقد : غير أن فكرة اللاتمايز بين البديهيات و المسلمات لا يعني أن الرياضيات المعاصرة قد تخلت عن فكرة البديهيات أو المسلمات فكل ما فعلته الرياضيات المعاصرة أنها حصرت البديهية ضمن نسق رياضي محدد ......


التركيب :إن القاسم المشترك بين النظرتين في الرياضيات التقليدية و المعاصرة اعتماد البرهان على منظومة مبادئ مع اختلاف في الشكل فقط ــ تمايز و لا تمايز ــ


الموقف الشخصي : يبدو أن الرياضيات المعاصرة بما ابدعته من أنساق رياضية جديدة تتمتع بنوع من المرونة و الحرية في تعاملها مع مبادئ الرياضيات مقارنة بالصرامة المعروفة في الرياضيات التقليديـــة .


الحـــل : ليس المهم في البرهان الرياضي أن ينصب التركيز على التمييز أو عدم التمييز بين البديهيات و المسلمات في البرهان ، المهـــــــم أن نحافـــــــــظ على الانسجــــــام و عدم الوقوع في التناقض أثناء البرهان و هو ما يضفـــــــــــــــــي على النتيـــــــــــــــــــــجة صدقـــــــــا و مصداقيــــــــــــــــــــة .



ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع