القائمة الرئيسية

الصفحات

أزمة اليقين في الرياضيات المعاصرة .. لكل الشعب


قيمة الرياضيات

تحضير البكالوريا


أزمة اليقين في الرياضيات ( قيمة الرياضيات )


                             هل تعدد الأنساق الهندسية في الرياضيات المعاصرة يقضى على طابع اليقين و الدقة فيا ؟


طرح الإشكال :


تعتبر الرياضيات من العلوم العقلية التي تهتم بدراسة الكم القابل للقياس بنوعيه المتصل و المنفصل و لعل ذلك ما جعل مختلف العلوم تتجه للاقتداء بها أملا في بلوغ الدقة التي تميزها و هو ما يجعلها مركزا لهذه العلوم و عنوانا لليقين المطلق بنظر أنصار الرياضيات الكلاسيكية .غير أن تطور الرياضيات مع بداية العصر الحديث و الوقوف على معطيات جديدة و ظهور أنساق رياضية مختلفة أسس للشك في اليقين الرياضي المطلق الذي عرفت به الرياضيات مند نشأتها إلى زمن غير بعيد ـــ بنظر أنصار الرياضيات المعاصرة . في ظل هذا التطور الحاصل في الرياضيات اليوم نتساءل : هل الرياضيات بالفعل صناعة دقيقة في نتائجها مطلقة في مبادئها و منهجها ؟أم أن تعدد الأنساق الرياضية اليوم قضى على القول بدقتها و يقينها و مطلقيتها ؟


محاولة الحل : الرياضيات صناعة دقيقة و يقينية و مطلقة .


يؤكد أنصار الرياضيات الكلاسيكية أن الرياضيات صناعة صحيحة و دقيقة و مطلقة و يقينية و هو ما يجعلها تحتل مكانة الصدارة بين العلوم المختلفة و سعي هذه العلوم للاقتداء بها أملا في بلوغ دقتها و يقينها . لكن ما الذي يجعلها بهذه الدقة و ذلك اليقين ؟ الجواب الواضح أن ذلك يرجع إلى طبيعة موضوعها و منهجها و مبادئها و نتائجها . يقول ــ روني ديكارت ــ : الرياضيات مثال للدقة و اليقين . إن الرياضيات تهتم بدراسة الكم القابل للقياس، و من المعلوم أن كل ما هو قابل للقياس يعطي بالضرورة نتائج دقيقة كقياس الطول و العرض و الارتفاع و غيرها ... كما أن منهجها عقلي يقوم على الاستنتاج و البرهان و هو ما يضمن الوصول إلى نتائج غاية في الدقة و اليقين . أما مبادؤها فهي البديهيات و المسلمات ( مصادرات) و التعاريف و تعتبر منطلقات ضرورية للبرهان الرياضي .فالبديهيات قضايا أولية واضحة بذاتها يقينية و مطلقة مقبولة عقلا دون الحاجة إلى البرهان عليها ( لا يمكن البرهنة عليها علميا و لا يمكن ضحدها علميا ) . و من أبرز الأمثلة عليها الكل أكبر من الجزء و المتساويان لثالث متساويا ن ، و منشأ اليقين في البديهيات مبدأ عدم التناقض القائم في العقل كمبدأ من مبادئ العقل . أما المسلمات فهي قضايا يسلم بها الرياضي لحاجته إليها في البرهان و إن لم يكن في حاجة للبرهان عليها و هي لا تبدو واضحة في ذاتها و أنها ليست عامة بل هي خاصة بكل رياضي كما في مسلمات ــ قليدس من نقطة خارج مستقيم لا يمر سوى خط مواز واحد . و قل مثل ذلك بالنسبة لمسلمات ريمان و لوباتشيفسكي و غيرهما ..... أما التعريفات فهي القول الشارح لمعنى الشيء كقولنا النقطة هي كل ما ليس له بعد ، مربع العدد هو حاصل ضرب العدد في نفسه . و تعتمد الرياضيات في البرهان على الاستنتاج و الاستدلال الرياضي العقلي التحليلي و التركيبي ، الأول مثل الانتقال من قضايا كلية إلى قضايا أبسط منها و الثاني حيث ينتقل البرهان من قضايا بسيطة معروفة و صادقة إلى قضايا مركبة و في البرهان التركيبي تتجلى قدرة العقل على الابداع و فاعلية الفكر الرياضي و حيويته و لذلك توصف النتائج المترتبة عن البرهان الرياضي بأنها دقيقة و قطعية و هذا راجع إلى تناسقها و انسجامها مع مبادئها . يقول ديكارت : إن علم الحساب و الهندسة مجردان عن الخطأ ..... و يقول باسكال : الهندسة هي الوحيدة من بين العلوم المعصومة عن الخطأ .... و إذا كان المنطق يعصم الفكر من الوقوع في الخطأ فإن الرياضيات هي امتداد للمنطق كما يرى ( ليبينز) .


نقد الموقف :


المعروف أن الرياضيات توصف بأنا علما دقيقا و أنها تحتل مكانة الصدارة بين العلوم و أن كل العلوم هدفها تحقيق النتائج التي تعرف بها الرياضيات ، غير أن هذه الدقة سرعان ما تتلاشى بمجرد اقترابها من الواقع الحسي التطبيقي . كما أن ظهور أنساق رياضية جديدة زعزع الاعتقاد في يقينها و أفقدها دقتها .


الموقف الثاني : نسبية اليقين الرياضي .


بظهور أنساق رياضية جديدة و اكتشاف معطيات لم تكن معروفة تغيرت النظرة إلى ما كانت تعرف به الرياضيات من صناعة دقيقة و يقين رياضي مطلق و أصبح الحديث أكثر على نسبية اليقين و عدم دقة النتائج . فقد أشار آينشتاين إلى أن الرياضيات كلما حافظت على طبيعتها التجريدية كانت نتائجها دقيقة و يقينية و كلما اقتربت أكثر من الواقع الحسي فقدت شيئا فشيئا دقتها . و يستدل البعض على ذلك من أن العدد .. الذي يحدد بحسب العلاقة بين الدائرة و قطرها ما هو إلا عدد تقريبي يدل على نسبية النتائج الرياضية .


إن التطور الذي حصل في الرياضيات المعاصرة من ظهور أنساق رياضية جديدة لدليل على أن الرياضيات نسبية و ليست مطلقة فالمطلق يعني الثبات و التطور يعني النسبية . في هذا الصدد يشير الرياضي ـ بولغان ـ إلى أن كثرة الأنظمة (الأنساق) في الهندسة لدليل على أن الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة .... و هكذا فقد استطاع لوبتشيفسكي أن يؤسس منظومة رياضية خاصة تقوم على منطلق تصور المكان الهندسي فيه مقعر يشبه الكرة من الداخل و من ثم استنتج أن مجموع زوايا المثلث أقل من 180 و أن من نقطة خارج مستقيم يمكن أن يمر أكثر من مواز واحد . و جاء الدور على ــ ريمــان ــ الذي تصور المكان الهندسي كرويا و عليه فإن مجموع زوايا المثلث أكبر من 180 و أن من نقطة خارج مستقيم لا يمر أي مواز . و قد كانت هندسة أقليدس تقوم على افتراض المكان الهندسي مستوي و من ثم فإن زوايا المثلث تساوي 180 و من نقطة خارج مستقيم لا يمر إلا موازيا واحدا .وهكذا فنحن أمام مجموعات متباينة من الهندسات و الأنساق الرياضية المختلفة . إن القراءة الفلسفية لمنطق هذا التطور يعني أنه ما كان يعرف عند الأولين بأنه من الحقائق الثابتة أصبح عند المعاصرين مجرد حالة خاصة بشكل قابل للتغير . حتي البديهية القائلة أن الكل اكبر من الجزء أصبحت لا تنطبق على المجموعات اللامتناهية حيث يكون فيها الكل مساو للجزء . ففي الرياضيات المعاصرة لا وجود لمبادئ ثابتة و مطلقة لأنها أصبحت تقوم على مجرد افتراضات و هذا دليل على نسبية الرياضيات . و هكذا فإن الرياضيات المعاصرة تنظر إلى البديهيات و المسلمات و التعاريف على أنها افتراضات تمهد للبرهان الرياضي لا فرق بينها و لا تمايز و لا اختلاف . إن مهمة هذه المبادئ دورها في البرهان الرياضي ليس أكثر . و هي بذلك لا توصف بأنها صادقة أو واضحة ، و هذا ما يعرف بالمنهج الأكسيومي في الرياضيات المعاصرة . و في السياق ذاته يشير الرياضي ــ برتراند راسل ــ إلى أن الرياضيات هي العلم الذي لا نعرف هل ما يقال فيه صحيح أم لا ....


النقد ... إن القول بأن الرياضيات فقدت قيمتها بتطورها و تنوع أنساقها ليس له ما يبرره في واقع الأمر لأن التطور لا يعني الطعن في مصداقية الرياضيات فهي تبقى صناعة دقيقة المنهج و النتائج لأن أساسها هو عدم تناقض النتائج مع منطلقاتها .


التركيب : من الواضح أن تعدد الأنساق لا يرفع عن الرياضيات إطلاقا صفة اليقين كل ما في الأمر أن اليقين تحول من المطلق إلى النسبي و أصبح كل نسق له يقينه لأن المسألة تكمن في انسجام النتائج مع المقدمات و الهندسات الثلاث التي تم عرضها ينطبق عليها وصف الانسجام بين النتائج و المقدمات و من ثم فلا مجال للشك في يقينها . و في هذا الصدد يؤكد ــــ بلانشي ــ أن النظريات المتناقضة تستطيع أن تكون صادقة في آن واحد المهم أن نرجعها إلى أنساق مختلفة .. و من هنا فإن النسق المنطقي هو الذي يضفي صفة اليقين على الرياضيات و لو كان نسبيا .


نستنتج في الأخير أن الرياضيات تبقى رياضيات مهما تعددت أنساقها و تنوعت واختلفت لذا لا يجب الشك في نتائجها أو في قيمتها . إن تطورها بهذا الشكل يكشف عن الطابع الحقيقي للرياضيات و العقل الرياضي بشكل خاص و هو عقل يمتاز بالقدرة على التوغل في عالم المجردات و هذا دليل على مدى حيويته و قدرته على الإبداع .
ردود الفعل:

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع