القائمة الرئيسية

الصفحات

تفسير طبيعة النسيان .. هل عجز الذاكرة عن استرجاع بعض صور الماضي يعد خللا في وظيفتها ؟


طبيعة النسيان 

مقالات فلسفية هادفة
ألية النسيان



تشكل الذاكرة عند الإنسان واحدة من القدرات العقلية و الوظائف النفسية التي تمكنه من تخزين مدركات الحاضر و استرجاعها عند الحاجة غير أن الذاكرة ليست قدرة مطلقة فقد تعجز في بعض الأحيان عن استحضار بعض صور الماضي و هي العملية التي تعرف بالنسيان . هذا العجز شكل عند علماء النفس موضوع جدل كبير انتهى إلى تضارب المواقف و اختلاف وجهات النظر . البعض منهم اعتبر العجز في قيام الذاكرة بوظيفتها خللا و مرضا و تعبير عن سوء التكيف ، فيما نظر البعض الآخر إلى النسيان على أنه وظيفة إيجابية و تعبير عن التكيف . فهل النسيان يفسر برده إلى الخلل في وظائف الذاكرة و بالتالي فهو حالة مرضية أم أنه جزء من عمل و نشاط الذاكرة و يعبر عن حالة إيجابية و وظيفة حيوية ؟


يفسر البعض من العلماء النسيان باعتباره خللا في وظيفة الذاكرة ، فإذا كانت الذاكرة وظيفة تقوم بعلميات التخزين و الاستحضار لصور و أحداث الماضي بغرض التكيف مع الواقع ، فإن كل خــلل في القيام بهذه الوظيفة يعبر عن سوء تكيف من قبلها و حالة مرضية مثلها مثل أي عضو من أعضاء الجسم عندما يصاب بمرض فإنه يعجز عن القيام بوظيفته ... فقد فســـر ريبو النسيان بأنه حالة مرضية تصيب الذاكرة .. فالذكريات كما ذهب ريبو تخزن في خـــلايا القشرة الدماغية على شكل آثار مادية منقوشة بفعل التكرار ، و أن أي خلل أو إصابة أو مرض تتعرض لـــه الذاكرة ينتج عنه زوال الذكريات ( النسيان) . و تؤكد تجارب بروكا و ديلاي الترابط بين إصابة خلايا القشرة الدماغية و زوال الذكريات ما يعزز الفرضية القائلة بأن النســــــــــيان ناتج عن إصابة في الدماغ و بالتالي فهو حلة مرضية سلبية .


كما أن بعض علماء النفس يرجعون النســـيان إلى إصابة الذاكرة ببعض الأمـــراض مثل مرض الأفـــازيا و الأمنيـــــــزيا و الأبــــراكسيا و غيرها من الأمراض المعروفة و التي ينجم عنها في الغالب الفقـــــــــــــــــدان الكلي أو الجزئــــي للذاكــــــــــــــــرة . فالإصابــة بمرض الأمنــــيزيا ينتج عنه غياب مفاجئ للذكريات و يعجز الفرد عن التعرف على الأشياء . أما الأفازيا فهو يرتبط بالذاكرة ( الكلامية ). كما أن الأبراكسيا يأتي على نسيان الفرد لبعض المهارات و الحركات بشكل مفاجئ مثل نسيان حركات السباحة أو الكتابة على الآلة الراقنة .. و من الواضح أن زوال الذكريات لا يتم دفعة واحــدة أو بطريقة فوضوية بل يتم بشكل منتظم حيث تزول الأحداث القريبة فالبعيدة لكنها تأخذ شكلا مغايرا عند عودتها .فقد ينسى الفرد اللغة الأجنبية التي تعلمها قبل لغته الأم و منه أن ذكريات أيام الصبا تكون آخر ما ينساه الإنسان ..


إن تفسير النسيان تفسيرا مرضيا لا ينطبق على كل أنواع النسيان فليس كل نسيان مرضا فقد ننسى لمجرد أننا لم نهتم بالموضوع ، فلو كان كل نسيان مرضا لكان كل الناس مرضى لأنك لن تجد من لا ينسى و هذا يناقض الواقع .و أحيانا ننسى من غير إصابة أو مرض . إن تفسير ريبو للنسيان على أنه مرض ينطبق على النسيان المرضي .


في المقابل ينظر آخرون إلى ظاهرة النسيان على أنها حالــة عادية طبيعية و ربما يميلون إلى وصف النسيان على أنه وظيفة إيجابية من وظائف الذاكـــرة على اعتبــار أن الذاكرة لا تقتصر على مجرد التخزين و الاسترجاع فحسب بل و تمارس النسيان كجزء من صميم وظيفتها و نشاطها. و في هذا الصدد يشير المفكر ـ جميل صليبا ـ إلى أهمية النسيان ( خيــــــر للذاكـــــــــرة أن تكـــــــــــــون ملكــــــــــــة نســـــاءة ). فلولا النسيان لبقي الحزن في النفس و لما صبر الإنسان على ما أصابه وينظر فرويد إلى النسيان على أنه عملية إزاحة مقصودة للذكريات المؤلمة من ساحة الشعور إلى ساحة اللاشعور . فالنسيان بهذا الشكل نعمة فلو لم ننس لتحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق فمن الحكمة أن ينسى الفرد بعض ألآم الماضي . يقول غوسدورف ( النسيان شرط لاستمرار الوجـــود )أما ـ برغســــون ـ فهو يرى أن الذكريــــــات محفوظة بشكل لاشعوري ( مستقرة في اللاشعور )و أن الذاكرة تستدعي بشكل انتقـــــــــائي ما هي في حاجة إليه لعملية التكيف مع الواقع . من جهــة أخرى و بحسب قانــــون الترك و الضمور فإن الذكريات التي تتعرض لعملية الإهمال و عدم المراجعة تضمر بالتقادم ، كما أن استيعاب معلومات جديدة و استقطاب أحداث أخرى تتطلب عملية نسيان من قبل الذاكرة لصور و أحداث ماضية غير مهمة و هكذا ..... فإذا كان النسيان عند البعض آفة ـ كما قيل آفة العلم النسيان ـ فإن النسيان عند ـ دولاي ـ حارس الذاكرة ، .....


النقد : على اعتبار النسيان ظاهرة عامة عند الجميع يمكن أن ننظر إليه على أنه حالـــة عادية و طبيعية فقد جاء في القرآن الكريم ( و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنســـــي ......) أما إذا تجاوز النسيان حد ما هو معقول في العادة خرج عن كونـــــــه حالة طبيعية إلى حالــــة مرضية .


التركيب : من الواضح أن تفسير النسيان بنظرتين مختلفتين كما رأينا لا يعني أن النظرتين متناقضتان فهناك ما يدل على أن النسيان مرضي عند من يعانون من أمراض الذاكرة مثل ( الألزهايمر) و هذا لا يمكن أن يكون عاديا و هناك نسيان عادي و طبيعي يرتبط باهتمامات الأفراد و ميولهم و رغباتهم و هو جزء من نشاط الذاكــــرة ذاتها .


الموقف الشخصي :إن صحة الذاكرة و نشاطها و فاعليتها يجعل منها آلية متعددة الوظائف فكما هي حافظة العلم فهي أحيانا تنسى من أجل الصحة النفسية ...


لا يمكننا القول أن النسيان إما أن يكون مرضيا و إما أن يكون طبيعيا عاديا ، فهو باعتباره مرتبط باهتمامات الفرد و ميوله و رغباته نسيان عادي و له أحيانا وظائف إيجابية يساعد على التكيف و منها ما هو تجاوز للحالات الطبيعية و للحد المعقول فهو يعبر عن سوء التكيف و عائق أمامه .....



                                                              الاستاذ شنيق



ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع