القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخلاق المطلقة و النسبية ..هل الأخلاق من حيث طبيعتها مطلقة أم نسبية ....؟

الأخلاق المطلقة و النسبية   

تحضير البكالوريا 2020



أفعال الإنسان هي الوحيدة التي توصف بأنها أخلاقية ، خير و شر باعتبار الإنسان كائن أخلاقي ، و الأخلاق في عمومها تهتم بما يجب أن يكون عليه سلوك الأفراد . و اتصاف القيم الأخلاقية بمبادئ و قواعد يجب إتباعها أسس عند البعض لطبيعتها المطلقة الثابتة كما في الفلسفة الدينية و الفلسفة العقلية .غير أن التعامل مع القيم الأخلاقية في الواقع المتغير الذي يعيشه الأفراد يؤسس للقول بطبيعتها النسبية المتغيرة كما في الاتجاهات التجريبية النفعية و المذاهب الاجتماعية . و في ظل هذا التعارض نتساءل عن طبيعة القيمة الخلقية . إذا كانت الأخلاق كمبادئ عامة في طبيعتها مطلقة فهل يتناقض ذلك بالضرورة مع القول بأنها نسبية متغيرة من حيث تطبيقاتها العملية ؟


الأخلاق المطلقة :


أنصار الاتجاه الديني و الفلسفة العقلية ينظرون إلى أن الأخلاق في طبيعتها قيم مطلقة و ثابتة لا تتغير في الزمان و المكان و الأفراد ، واحدة لا تتعدد بتعدد المجتمعات ، مبادئ عامة و ليست معاملات خاصة . فالعدل قيمة خلقية واحدة عند الجميع لا يمكن أن تتغير نظرة الناس إليها مهما تغيرت الظروف و المجتمعات . و لا شك أن ارتباط القيم الأخلاقية بالدين و العقل يجعل منها قيما مطلقة على اعتبار أن الدين قيم متعالية و توجيهات عامة لا ترتبط بظروف خاصة و أن مبادئ العقل مبادئ فطرية ثابتة لا تتغير بتغير الأفراد .


علماء الكلام من أشاعرة و معتزلة يسلمون بمطلقية القيم الأخلاقية على اعتبار الشرع مصدرا لهذه القيم و الشرع واحد و مطلق . فالأشاعرة يرون أن الأفعال لا تحمل قيمة الخير و الشر في ذاتها بل أن الخير و الشر باعتبار الشرع لهما فالخير خير لأن الشرع جعله كذلك و الشر شر لأن الشرع استهجنه و ذمــه.


يقول ـ ابن حزم الأندلسي ـ لا يوجد شيء حســــن لعينه (لذاته) ولا قبيح لعينه بل ما حسنه الله تعالى فهو حسن (خير) و العكس ....... فالخمر و الكذب و مختلف الصفات المذمومة ليست شرا في ذاتها و لكن لأن الشرع حكم عليها بأنها منبوذة فقال في الغش مثلا ــــ من غشـــنـــا فليس منا ــــ و هكذا .و يقول أبو الحسن الأشعري ـ الخير و الشر بقضاء الله و قدره ـــ


ترى المعتزلة أن الخير و الشر ذاتيان في الأشياء و الأفعال ، و العقل يدرك ما في الأشياء من حسن وقبح أي معرفة قيم الأفعال على أساس الخير والشر . يملك العقل القدرة على التمييز بين ما هو حسن و ما هو مستهجن وذلك حتى قبل مجيء الشرع إذ الشرع مجرد مخبر لما يتوصل إليه العقل بدليل أن الكثير من القيم الأخلاقية في الجاهلية كانت محل إشادة و استحسان من قبل العرب مثل الوفاء و الصدق و الأمانة ، و كان الكذب و الخيانة و الغدر قيم مستهجنة و لما جاء الشرع أخبر بما كان قد أقره العقل .فالعقل في نظرهم كاشف و الشرع مخبر .


العقليون مند أفلاطون إلى كانط يرون أن القيم الأخلاقية مطلقة في طبيعتها لا ترتبط بالإنسان و تسمو على واقعه المتغير .

يرى أفلاطون أن الأخلاق أسمى من أن تكون ذريعة لتحقيق نزوات ترتبط بالجسد ، إن الأخلاق قانون عام للناس في كل عصر ومصر و لذلك وجب إقامته على أسمى قاسم مشترك بين الناس ألا و هو العقل ..و أن الفعل الأخلاقي يتضمن جزاءه في ذاته و أن الخير خير في ذاته . يقول أفلاطون :الخير فوق الوجود شرفا وقوة .إن الأخلاق عند أفلاطون مكانها عالم المثل و لا سبيل إلى إدراكها إلا بالعقل .من خلال تذكرها باعتبارها معرفة و المعرفة تذكر .


ويعتبر كانط من أبرز المنظرين للفلسفة المثالية و بخاصة في مجال الأخلاق ،و لقد اشتهر مذهبه الفكري بالمذهب النقدي ، و من هذا المنطلق أراد كانط أن يعطي الأخلاق قيمتها فعمل على تحريرها من سيطرة الميول و الرغبات فكانت فلسفته في ذلك حربا على المذاهب التي تؤسس الأخلاق على مبدأ اللذة والمنفعة . و يشكل الواجب عند كانط محور الأخلاق ومصدر الإلزام فيها . بمعنى أن الالتزام بالأخلاق ليس مصدره السلطة الخارجية من دين أو مجتمع أو قانون ، بل ينحصر مصدره في الواجب العقلي . و بذلك فالإلزام يكون نابعا من إرادة الفرد الحرة و كل فعل من دون إرادة الفرد لا يحمل أي قيمة خلقية ولو كانت في ظاهرها عملا صالحا .إذن إن مصدر الواجب هو العقل بمبادئه المطلقة. فإذا كان ما يميز الإنسان هو العقل أي طبيعته العاقلة فالواجب يحتم على الفرد الالتزام بما يمليه العقل انطلاقا من مبادئه العامة .و إذا كان العقل هو مصدر الإلزام فذلك معناه أن له أوامر و نواه ، غير أن أوامر العقل مطلقة تخلو من أي شرط و تعتبر غاية في ذاتها تتأسس عليها الأخلاق و ليست وسيلة و من أمثلتها ... كن أمينا ......أحرص على مساعدة الآخرين .......و هي كذلك عامة ومطلقة ، مطلوبة لذاتها ، صارمة ليس فيها استثناء ونابعة من حرية الإرادة .فّان كنت حريصا على فعل الخير بغرض الدخول إلى الجنة اعتبر ذلك عملا غير أخلاقي.وذلك لارتباطه بنتيجة نفعية . وهكذا فإن ما يخدش قيمة السلوك الأخلاقي ارتباطه بمصلحة أو غاية ..... إن قيمة الفعل تكمن في مبدئه لا في نتيجته .




النقد :


لا شك أن القول بمطلقية الأخلاق يضفي عليها طابع المثاليــــــــة و يجعلها قيما فوق واقع الفرد و توجيهات تبدو و كأنها أعطيت لكائنات غير الإنسان الذي يمتاز بميول و رغبات و تقلبات في طبيعته يجعل من غير الممكن التعامل مع طبيعة هكذا أخلاق . ثم أن ممارسة هذه القيم في الواقع يجعلها تتغير و تختلف من فرد إلى آخر و من مجتمع إلى آخر و هذا ما يبرر اعتبارها نسبية و ليست مطلقة ..


في المقابل يرفض البعض من الفلاسفة من أنصار المذهب التجريبي النفعي و المذهب الاجتماعي أن تكون الأخلاق في طبيعتها قيما مطلقة ، فهي ترتبط بالإنسان كفرد يسعى وراء مصلحته و كجماعة ما يجعلها قيما متغيرة و متعددة و متنوعة .


تذهب النزعة المادية التجريبية مذهبا مغايرا في نظرتها إلى معيار القيمة الخلقية . إن الغاية القصوى للأخلاق من وجهة نظر التجريبيين تكمن في سعي الإنسان لتحقيق الخير الأقصى ، و من الواضح أن الخير الأقصى هو المقصود بالسعادة . و السعادة هي كل فعل يحقق لصاحبه اللــــــــــــــذة . و هكذا فإن عنوان الخير عندهم هو ــ اللذة هي الخير الأعظم و عنوان الشر هو ـ الألم هو الشر الأعظم ـ و بذلك يمكن استخلاص مبدأين رئيسيين في الاتجاه النفعي التجريبي هما:


*** اللذة أو المنفعة هي الخير الأقصى وهي غاية في نفسها ومطلوبة لذاتها .


*** نتائج الفعل هي مصدر الأخلاق و مصدر الإلزام .


وهكذا فإن الخير خير لما يترتب عليه من نتائج نفعية و الشر شر لمل يلحقه بالإنسان من ضرر .و تتفق جميع المدارس التجريبية على فكرة واحدة هي قياس الخير و الشر على نتائجه و ذلك من ـ ارستيبيس ـ إلى ـ أبيقور ومن ـ بنتام ـ إلى ـ جون ستيوارت مل ـ إلى البراغماتية المعاصرة .


لقد أشار ارستيبس صراحة إلى أن اللذة هي صوت الطبيعة . بمعنى أن الإنسان بفطرته يميل إلى جلب ما ينفعه و يفر من كل ما يجلب إليه الضرر و الألم ، وأن الغريزة هي المحرك الأول لأفعال الإنسان وجعل معيار الخيرية و الشرية في الأفعال ــ اللذة و الألم ــ وقصر اللذة على اللذات البدنية. و مع أن ـ أبيقور ـ يشاطر هذا الاتجاه إلا أنه رفض أن تكون اللذة المنشودة بصفة مطلقة ، فالإفراط في اللذات يؤدي إلى عواقب جسيمة، فنادى بضرورة تصنيف اللذات و تنظيمها و إضفاء صفة المعقولية عليها .و في الفلسفة الحديثة عرف مذهب اللذة تطورا نوعيا يتمثل في نظرة الفيلسوف ــ جريمي بنتام ــ الذي يرى أن اللذة أو المنفعة هي الخير المرغوب فيه و الألم هو الشر الواجب تفاديه ،و منه فالمنفعة هي مقياس الخير والألم هو مقياس الشر . مع التركيز على المنفعة الخاصة الفردية . و هي النقطة التي خالف فيها جون ستيوارت مل استاده بنتام و ركز على ما يحقق أكبر قدر من المنافع لأكبر قدر من الناس .و في السياق ذاته ترى البراغماتية أن ما يضفي على الفعل صفة الخير و الشر هو نتيجته فالخير خير بحسب النتائج المترتبة عليه و من ثم فليس هناك خير مطلق دائم أو شر مطلق دائم ولكن هناك فقط منفعة أو مصلحة دائمة .و الخلاصة أن مذهب المنفعة يجعل مقياس الخير و الشر هو الإنسان ذاته كما يقول بروتاغوراس قديما : الإنسان هو مقياس كل شيء


و كما يقول سارتر حديثا : لا يوجد غيري فأنا وحدي من يصنع الخير و يبدع الشر .


وتميل النزعة الاجتماعية إلى اعتبار الأخلاق قيما نسبية و ترفض أن يكون مصدر الإلزام هو الدين أو العقل أو المنفعة و ترى أن هناك صوت واحد يعلو هو صوت المجتمع . فالضمير في رأي دوركايم هو المجتمع و مخالفته يؤدي إلى التأنيب .( إذا تكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم )


يرى دوركايم أن الإنسان ليس كائنــــــــا أخلاقيـــــــا إلا لأنــــــــه يعيش في صلب مجتمعات قـــــائمــــة و ليس ثمة أخلاق من دون انضباط و لا نفوذ ( نفوذ المجتمع). يتضح إذن أن المصدر الوحيد للأخلاق هو المجتمع . ينتج عن هذا التصور أن الخيــــــر خير لتوافقه مع قيم المجتمع و الشر شر لتعارضه مع قيم المجتمع . فكما أن الفرد يأخذ من المجتمع لغته السائدة و ثقافته و عاداته و تقاليده فكذلك يأخذ من المجتمع أخلاقه السائدة . إن القيم الأخلاقية هي إذن مجرد عادات اجتماعية .


إن اختلاف تقييم الفعل أو الحكم عليه من مجتمع إلى آخر لدليل على أن المجتمع هو أساس القيمة الخلقية .فالفضيلة في مجتمع هي عين الرذيلة في مجتمع آخر ، فقد يكون الحياء في المجتمعات العربية عنوان قيمة خلقية لكنه في المجتمعات الغربية عنوان عقدة نفسية وجب التحرر منها .


النقد :


على الرغم من أهمية القول بأن الأخلاق متعددة و متنوعة بالنظر إلى ارتباطها بالإنسان كفرد يسعى وراء مصالحه أو كجماعة تختلف نظرتها عن غيرها بحسب تركيبة المجتمع و طبيعته و خصائصه إلا أن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تجريد القيم الأخلاقية من الطابع الإنساني الذي تتميز به و هذا ما يقلل من قيتها و يجعلها فاقدة لطابعها التقديسي التي تمتاز به ..


الموقف التركيبي :


إن الأخلاق في جوهرها مهما كانت مبادئ عامة و قيم مطلقة لا تتغير فهي في النهاية ترتبط بالإنسان كفرد أو كجماعة باعتبار ه كائن أخلاقي ، و كونها متنوعة و متعددة و متغيرة لا يجب أن يفقدها ذلك طابع القداسة فيها . فهي من حيث مبادؤها مطلقة و من حيث تطبيقاتها نسبيــــــة . فالكل يسلم ، أفراد و مجتمعات ، بأن الصدق قيمة خلقية مطلقة لا تتغير نظرة الناس إليها ، غير أن التعامل معها في واقع الحال يختلف من فرد إلى آخر و من مجتمع إلى آخر .


الموقف الشخصي : عند التجرد من النظرة المذهبية فإننا ننظر إلى الأخلاق على أنها واحدة في مبادئها متعددة في واقعيتها و تطبيقها .فالأمانة كقيمة أخلاقية هي قيمة عليا لكن الالتزام بها يختلف من فرد إلى آخر ...


حل الإشكال :


نستنتج في الأخير أن الاختلاف في النظرة إلى الأخلاق و تباين محاولة فهم طبيعتها راجع إلى طغيان النزعة المذهبية و سيطرة النظرة الأحادية . و القول بمطلقية الأخلاق يجعلها أخلاقا مثالية لا علاقة لها بواقع الإنسان كما أن القول بنسبيتها يفرغها من محتواها الإنساني و يقلل من قيمتها الإنسانية ، فهي مطلقة إذا نظرنا إليها من حيث أنها مبادئ و نسبية من حيث أنها معاملات و ممارسات .











ردود الفعل:

تعليقات

التنقل السريع